﷽

الملخَّص:تم توليد بعض الصور في هذا المقال باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لأغراض توضيحية، ولا تمثل بالضرورة صورًا واقعية. (1)
مع ابتداء الألفيَّة الجديدة شهد العالمُ الغربيُّ نشاطًا ملحوظًا لِمَا يُعرَف بحركة الإلحاد الجديد، ثمَّ سُرعانَ ما ظهرت الانقسامات الداخليَّة والنِّزاعات بين رُوَّاد تلك الحركة إلى أن خَبَتْ جَذْوَتُها، وأُعلِنَت -مؤخَّرًا- وفاتُها رسميًّا على صفَحات بعض رواده.
في هذا المقال نستعرض تاريخ الإلحاد، ونتأمَّل في دَوْرات حياته وموته، وننظر في أسباب نشأته وانحساره، وصولًا إلى حركة الإلحاد الجديد. ثمَّ نستخلص الفوائد لنعلم ما يجب علينا فعلُه لتحصين أنفسنا وأولادنا ومجتمعاتنا من مثل هذه الأفكار الهدَّامة.
توطئة:
الإلحاد لغةً: هو الميل عن الطريق المستقيم، أو العدول عن الجهة المقصودة. ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فُصِّلت: 40]، أي الذين يحرِّفون الآياتِ عن معناها الصحيح، ولذلك كان الإلحاد قديمًا يشمَل الكفرَ والزَّندقة، والانحرافاتِ العقديَّةَ الكبيرةَ في أسماء الله وصفاته، والتَّشكيكَ في النُّبوَّة، وغيرَ ذلك، أمَّا الإلحاد في اصطلاحنا المعاصر فَيُقصَد به: عدمُ الإيمان بوجود الخالق، وكلُّ ما يترتب على ذلك من إنكار الرِّسالات والكتب والغَيبيَّات واليوم الآخر وكلِّ ما جاء به الدين.
وقد قصَّ علينا القرآنُ الكريمُ خبرَ فرعون الذي جحد وجودَ الخالق وآياتِه، كما سجَّلَت بعضُ الدراساتTim Whitmarsh. Battling the Gods: Atheism in the Ancient World (2016). (2) ظهورَ بعض الأفكار الإلحاديَّة بين الأمم على مرِّ العصور، وكيف مرَّتْ هذه المعتقَدات بدَوْراتٍ من الازدهار والانحسار.
كيف نشأ الإلحاد تاريخيًّا؟
1) الإلحاد الفلسفيُّ في اليونان القديمة (أبديرا عام 470 ق.م)
نشأ الإلحاد الفلسفيُّ في أبديرا، إذ صاغ ليوكيبوس عام 470 ق.م وتلميذُه ديموقريطسGuthrie. W.K.C. A History of Greek Philosophy, Vol. II (1965), p 386. (3) نظريَّةً ذرِّيةً تُقدِّم تفسيرًا ماديًّا طبيعيًّا للكون. وكان السُّفسطائيُّ البارز بروتاغوراس (481–420 ق.م) يجادل في نسبيَّة المعرفة بقوله: "الإنسان مقياس كلِّ شيء"، مما يُعدُّ خُطوةً نحوَ الشَّكِّ في الحقائق المطلَقة، بما فيها الدينية.

ثمَّ تضخَّم أثرُ تلك الأفكار حين أسَّس إبيقور (341–270 ق.م) "الحديقة" في أثيناDiogenes Laertius. Lives of Eminent Philosophers. Harvard University Press, (1950). (4) عام 306 ق.م، وروَّج للفكر الماديِّ وأزليَّة الكون؛ لينتشر فكرُه بين العامَّة بعد أن كانَ محصورًا داخل دوائرَ ثقافيَّةٍ مغلقة، وأسهمَ في ذلك انفتاحُ الفكر الأثينيِّ بعدَ الحُروب الفارسيَّة، ونموِّ طبقةٍ من المثقَّفين تتكسَّب من تعليم الناس فنَّ الجَدَل، وهؤلاء هم السُّفسطائيُّونالسفسطائيون: هم جماعة من الفلاسفة الذين ظهروا في اليونان القديمة، خاصَّة في القرن الخامس قبل الميلاد. كانوا يُدرّسون فنَّ الخطابة والإقناع، ويهتمّون بالمهارات الجدلية بغضِّ النظر عن صحَّة الموقف، واعتقدوا بنسبية الحقيقة. وقد تلقَّوا نقدًا شديدًا من أعلام الفلسفة اليونانية مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو. (5). ثم تفكَّكPlotinus: The Enneads. Cambridge University Press (2017). (6) هذا التَّيَّار مع صعود الأفلاطونيَّة الجديدةالأفلاطونية الجديدة: هي مذهب فلسفيٌّ تأسس على يد أفلوطين في القرن الثالث الميلادي، وقد اعتقد أن الوجود مظهر من مظاهر الفيض عن الواحد البسيط. ومعَ فساد هذه التَّصوُّرات عن الخالق سبحانه، فإنَّ هذا المذهب أسهم في تفكيك الفكر المادِّيِّ الإلحاديِّ؛ لِمَا يتَّسم به من ميلٍ إلى الرُّوحانية ومناهضةٍ للمادِّيَّة. (7)، وانتشار الفلسفة الرُّواقيةالفلسفة الرواقية: هي مذهب فلسفي أسَّسه زينون الرواقي في القرن الثالث قبل الميلاد. وكان الرواقيون يؤمنون بوجود عقل كوني (لوغوس) ينظِّم العالم ويسكن في كلِّ شيء، وأن الفضيلة الأخلاقية سبيلٌ إلى الانسجام مع النظام الكوني. غير أنهم لم يؤمنوا بإلهٍ خالق، ولذلك -معَ إمكانية الاستفادة من نقد الفلسفة الرواقية للإلحاد الإبيقوري المادِّيِّ- فإنها -أيضًا- لا تخلو من انحرافات وضلالات. (8)، إذ بدأ المجتمع يرفض هذه الفلسفاتِ المادِّيةَ بسبب عجزها عن تقديم منظومة أخلاقيَّة أو رُوحانيَّة تُعوِّضه عن غياب الدِّين.
ثم كان الانحسار بمرسومِ الإمبراطور جستنيان الأوَّل بإغلاق الأكاديمية الأثينيَّة عام 529م، فانتهت آخرُ معاقل الفلسفة غيرِ الدِّينيَّة في اليونان القديمة. ومن ثَمَّ أصبحت النَّصرانيَّةُ الديانةَ الرَّسمية للإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.
2) الإلحاد في الثَّقافة الهندية ( عام 600 ق.م):
كانت النَّشأة بتأسيس الفيلسوف برهسبَتيChattopadhyaya، D.، Lokayata: A Study in Ancient Indian Materialism (1959)، p. 38. (9) مذهبًا ماديًّا إلحاديًّا صريحًا يُنكر فيه الخالقَ واليومَ الآخر والغيبيَّات، وأصبحت فلسفته هذه تُعرَف باسم اللوكاياتا (المذهب الدُّنيوي) أو التشرفاكا.
ثم ازدهرت وتضخَّمت هذه المدرسة في عهد الملك أشوكا (268–232 ق.م)، الذي كان يُحيط نفسه بمستشارين من أتباع هذه المدرسة الفلسفية المادِّيَّة، معَ أنَّه دانَ بالبوذيَّةالبوذية: مذهبٌ روحانيٌّ غير إلهي تأسَّس على يد سيدهارتا غوتاما (بوذا) في القرن السادس قبل الميلاد. تقوم البوذية على الإيمان بدورة الميلاد والموت (السَّمسارا) الناتجة عن الكارما؛ أي العمل الأخلاقي، إذ تؤثّر أفعال الإنسان في تحديد مصيره اللاحق. غير أنَّ هذا المصير لا يُقصَد به الجزاء الأُخرَوي يوم القيامة، بل هو تَكرارُ الولادات على هذه الأرض في دورات متعاقبة، إلى أن يبلغ الإنسان منزلة التَّحرُّر النهائي (النيرفانا)، وهي انطفاء الرَّغَبات وتجاوز المعاناة. ولذلك فإنَّ البوذية لا تؤمن بوجود إلهٍ خالقٍ للكون، ولا بـيومٍ آخر أو رسلٍ ووحيٍ إلهيّ، بل تعتمد على التهذيب الذاتي والتأمُّل سبيلًا إلى الخلاص. (10) لاحقًاBasham A.L. History and Doctrines of the Ājīvikas (1951), p 112. (11)Debiprasad Chattopadhyaya Lokayata: A Study in Ancient Indian Materialism (People’s Publishing House, 1959). (12).

لكنَّها لم تصمُد في عصر انتشار المناظرات بين المذاهب الهنديَّة المتنوِّعة، وبدأت مرحلة التَّفكُّك عام 800 م، ثمَّ كان الانحسار التَّامُّ بانقراض هذه المدرسة واختفاء نصوصها الأصليَّة بحلول القرن الثاني عشر الميلاديِّ، ولم يبقَ منها سوى شظايا في كتب الخصوم.
3) الإلحاد في عصر التَّنوير الأوروبي (القرن الثَّامنَ عشرَ):

نشأ في صالونات باريس السِّريَّة، حيث تنامت الأفكار المادِّيَّة الإلحاديَّة معَ سُخرية فولتير (1694– 1778م) من الدِّين، وكتاب لاميتري عام 1747م الذي صوَّر الإنسان بصورة آلة مادِّيَّة بلا روح.
ثم تضخَّم الأمر وتبلوَر معَ كتابات هولباخ عام 1770م عن منهجيَّة المادِّيَّة الإلحاديَّة، وبلغ ذُروته معَ اندلاع الثَّورة الفرنسيَّة عام 1789م، وتدشين الثُّوَّار مهرجانَ العقل في كاتدرائيَّة نوتردام عام 1793م، إذ استُبدل مَذبَح المسيح بمَذبَح (الحرية) تعبيرًا عن محاولة جعل الإلحاد دينًا رسميًّا للدَّولة.
ثم كان التفكُّك والانحسار بعد أحداث الثَّورة الفرنسيَّة وتوقيع اتفاقيَّة الكونكورداتAston N. Religion and Revolution in France (2000) p. 312. (13) بين نابليون والبابا بيوس السابع عام 1801م.
4) الشُّيوعية والإلحاد الماركسي (القرن التَّاسعَ عشرَ):
نشأت في لندن في أعقاب الثَّورة الصِّناعية معَ ظهور الطَّبقة العاملة التي كانت تعاني من الفقر المدقع، وكان ذلك تحديدًا حين أصدر ماركس وإنجلزMarx Critique of Hegel's Philosophy of Right (1843). (14) البيان الشُّيوعي عام 1848م بجَعْل الدين "أفيون الشعوب".

لكن التَّضخُّم كان معَ الثَّورة البَلْشفيَّة في روسيا ودخول لينين قصر الشِّتاء عام 1917م وإعلانه فصل الكنيسة عن الدَّولةPospielovsky D. The Russian Church Under the Soviet Regime (1984) p. 23. (15) عام 1918م. وأمّا التَّفكُّك فبدأ مع تأسيس رابطة الملحِدين المناضلينPeris D. Storming the Heavens (1998) p. 45. (16) عام 1925م، وأعمالها الوَحْشيَّة والقَمْعية مع المتديِّنين، ممَّا أثار مقاومةً شعبيةً واسعة. ثمَّ كان الانحسارُ معَ سقوط جدار برلين عام 1989م، ثمَّ تفكُّك الاتحاد السُّوفييتيِّ عام 1991مZubok V. Zhivago's Children (2009) p. 342. (17).
5) ما الإلحادُ الجديد ولماذا انهار؟ (2004م)
كانت النَّشأةالدليمي، فلاح بن محمد. الإلحاد الجديد في المجتمعات الغربية والعربية.. مفهومه ونشأته وأسباب ظهوره وسُبُل مواجهته. مركز الأمة (2023). (18) بعد هجَمات 11 سبتمبر 2001م، إذ استغلَّ "الفرسان الأربعة" (دوكينز، دينيت، هاريس، هيتشنز) المُناخ العالميِّ لتصوير الدين بأنَّه مصدر للعنف ومنبع للشُّرور.
وبالتَّزامن مع طفرة الإنترنت ووسائل التَّواصل الاجتماعي، وتضخُّم أثر هذه الحركة المعادية للأديان، ليشمل الفاعليات العامَّة، وإنشاء المؤسَّسات، وتأليف الكتب التي تصدَّرت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا لسَنوات، وتدشين حَمَلات إعلاميَّة دعائيَّة، وإلقاء المحاضرات، وإنتاج الأفلام، وعقد المؤتمَرات، إلى أن وقعت فضيحة المصعد عام 2011م في مؤتمر إلحادي في دبلن، إذ تعرضت ريبيكا واتسون -إحدى الناشطات المتحمِّسات للإلحاد الجديد- للتَّحرُّش في مصعد الفندق، ثمَّ سُخِر منها من قِبَل رُوَّاد الإلحاد الجديد، مما كشف عن استحالة قيام مرجعيَّة أخلاقيَّة موحَّدة ضمن الإلحاد المادِّيِّ.
وكانت هذه بداية النِّزاعات والتَّفكُّك الذي ظلَّ يتصاعد يومًا بعد يوم مع فضائح سلوكية ومالية لشخصيَّات إلحاديَّة بارزة مثل (ديفيد سيلفرمان، لورانس كراوس) حتى انحسر الإلحاد الجديد من المجال العامِّ، وأعلن بعضُ رُوَّاده السَّابقين (مثل بي. زيت. مايرز) عام 2017م انحسارهKettell S. Whatever happened to new atheism? The rise and fall of the U.S. atheist movement. Politics and Religion. 2025;18(2):258-278. doi:10.1017/S1755048325000100 (19) وموته بشكل صريحPZ Myers.The New Atheism is dead. Long live atheism (2017). (20).

وإن كان هذا لا يعني بالضَّرورة أنَّ رُوَّاد الإلحاد الجديد قد عادوا إلى الإيمان أو أنَّ العالم أصبح خاليًا من الملاحدة، لكن المقصود هنا أنَّ حركة الإلحاد الجديد فقدت زَخَمها ولم تَعُدْ كما كانت في مطلَع الألفيَّة.
6) نظرة عامة:
باستقراء دورات الإلحاد صعودًا وهبوطًا في التَّاريخ الإنساني يمكننا ملاحظة سماتٍ عامَّةً متكرِّرة، أشار إليها باحثون في علم الاجتماعhttps://freethoughtblogs.com/pharyngula/2017/07/31/the-new-atheism-is-dead-long-live-atheism/ (21) :
1. النَّشأة: دائمًا كان ينشأ الإلحاد داخلَ المجتمعات على أنَّه ردُّ فعل على أَزْمة معرِفيَّة أو أخلاقيَّة (أساطير يونانية، طقوس براهمانية، سلطة كنسية، أحداث 11 سبتمبر). ولم ينشأ الإلحاد في أي عصر من العصور على أنَّه مشروع مستقلٌّ.
2. التَّضخُّم: يحدث غالبًا في وقت انفتاح ثقافي أو سياسي غير منضبط (أروقة أثينا المشبعة بالجدل السُّفسطائي، الثَّوْرة البَلْشفيَّة، الثَّوْرة الفرنسيَّة، طفرة الإنترنت).
3. التَّفكُّك: كان غالبًا بسبب غياب مرجعيَّة أخلاقيَّة موحَّدة ونمو الانقسامات الداخليَّة، وهو مصير متوقع لجميع الحركات الإلحادية. فإذا فقد الإنسانُ البُوصَلة الأخلاقيَّة الدِّينيَّة فسيظلُّ متخبِّطًا بين الانتهازيَّة النَّفعيَّة واتِّباعِ الهوى من غير ضابط. حتى ينتهي به الحال مثل الحيوانات تُحرِّكها الغرائز والشَّهَوات من غير أن تمتلك أيَّ معيار واضح لتُفرِّق به بين الصَّواب والخطأ.
4. الانحسار: كان غالبًا بسبب الحاجة الإنسانيَّة والاجتماعيَّة للمعنى والقيمة الأخلاقيَّة. وبفقد المعنى يُصبح الإنسان فريسةً سهلةً للعَدَمية، ويتفشَّى إدمان المخدِّرات والكحوليَّات وغيرها من السُّموم التي تُدمِّر الفرد والمجتمع.
هل نحن مستعدُّون للمواجهة القادمة؟
بتأمُّل ما سبق يظهر لنا أنَّ موجة الإلحاد الجديد لم تكن استثناءً عن سلفها من الموجات الإلحاديَّة التَّشكيكيَّة، بَيدَ أنَّها كانت أقصرَها عمُرًا، فقد صعِدت وهبَطت سريعًا، ووصلَت أصداؤها إلى عالمنا العربيِّ سريعًا نتيجة التَّقدُّم التِّكنولوجيِّ الذي نعيشه في عصرنا الحاضر. وقد تأثّر بعض شبابنا بهذه الشُّبُهات الإلحاديَّة بسبب الهزيمة النَّفسيَّة وأَزْمة الهُويَّة التي يعانون منها، وانبهارهم بالحضارة الغربيَّة، وكذلك ضعف الحصانة الإيمانيَّة وعدم إلمامهم بعلوم الشَّريعة، خصوصًا أنَّ الإلحاد الجديد كان يحمل نبرة عدائيَّة ضدَّ الدين الإسلاميِّ، ويُصوُّره بأنَّه مصدر أساسيٌّ للعنف والدَّمار، ويربطه بتدهوُر الأوضاع السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في الدُّول الإسلاميَّة. وعلى الرُّغم من أنَّ موت الإلحاد الجديد في الغرب سيؤثِّر في رواج الشُّبُهات الإلحاديَّة في عالمنا العربي وفضاء الإنترنت عمومًا، فإنَّ هذا لا يعني أننا أصبحنا في مأمن، أو أنَّ هذه هي نهاية قصَّة الصِّراع مع الإلحاد، فنشاط هذه الحركات الإلحاديَّة يظلُّ أمرًا قابلًا للتَّجدُّد والتَّكرار. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ◙ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ»Smolkin Victoria. A Sacred Space Is Never Empty: A History of Soviet Atheism. Princeton University Press ( 2018). (22).
فلا ينبغي أن ننتظر حتى تشتعل نارُ الفتن ثمَّ نبدأ في انتشال الضَّحايا من قلب الحريق، بل ينبغي أن نُعِدَّ خطوات استباقيَّة وقائيَّة ونُظُم أمنيَّة تغرس اليقين، وتعزز الإيمان في القلوب، وتحصِّن أبنائنا من مخاطر الشُّبهات التي تعصف بهم.
ومصداقًا لقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: 110]. فالمسلمون هم أصحاب العقيدة الصَّحيحة والإيمان السَّليم الخالي من الشِّركيّات، وهم ورَثة كتاب الله وسنة نبيِّه ﷺ، فكانوا بذلك حملة نبراس الهداية للناس جميعًا، وكان العِبْء الملقى على المسلمين في مواجهة الإلحاد أكبرَ من العِبْء الملقى على غيرهم من المؤلّهين، مثل اليهودصحيح البخاري (6133)، وصحيح مسلم (2998). (23) والنصارى.
ومن هنا كانت أهميَّة مدارسةِ براهين وجود الله وربوبيَّته وألوهيَّته وكمال صفاته وأفعاله، ودلائل النُّبوَّة، وصحَّةِ الإسلام والرَّدِّ على شبهات الإلحاد واللادينيَّة قديمًا وحديثًا، وذلك ليس لخفاء أدلَّة وجود الله -فهي قضيَّة بدَهيَّة فطريَّة- ولكن لتعزيز الإيمان وتحصين النَّفس والأهل من شرور الشُّبهات التي أصبحت في زماننا هذا يمكنها التَّسلُّلُ إلى كل بيت واستهدافُ جميع الفئات العُمريَّة.
بل ينبغي أن ننقل للعالم ما عندَنا من الحقِّ وما علمنا نبيُّنا ﷺ من أخلاق الإسلام، وأن نُذلِّل الوسائل التِّكنولوجيَّة الحديثة في خدمة الدعوة إلى الله، فالعالم في أمسِّ الحاجة إلى معرفة الله والإيمان به.
وإذا كان التَّاريخ الإسلاميُّ لم يشهد وجود تيَّارات فكريَّة إلحاديَّة مؤثِّرة، وإنما شهِد فقط حالاتٍ فرديَّةً مبتورة لبعض الملاحدة الدَّهرية هنا أو هناك، مثل أبي عيسى الوراق، وابن الرَّاوَنْديمثل كتاب الحاخام ويليام كوفمان. رد فلسفي يهودي على الملحدين الجدد: دوكينز، دينيت، هاريس، وهيتشنز (٢٠١٤). وكتاب الحاخام موشيه أفريك. هراء النظام العالي: العالم المرتبك للإلحاد الحديث (2016). (24) = فإنَّ عالَمنا اليوم قد اختلف عن الأمس، وبات من الممكن لأي صاحب رأي متهافت أن يجد لنفسه مِنبرًا يبُثُّ به سمومه ويجد من يستحسنون قوله وينافحون عنه.
فلنستعدَّ للمواجهة القادمة.. التي ربَّما تكون مدعومة بتِقنيات الذَّكاء الاصطناعيِّ الحديثة والمتسارعة، مما يتيح لأيِّ كاره للدين أن ينشر فكره بوسائلَ كانت متاحة فقط للمؤسسات الكبيرة.
وهذا الاستعداد يكون بتعلُّم ديننا ومعرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته، حتى إذا ما وردت الشُّبهات من أي مُشَكِّك، لم تجد مَنفَذًا تتسلَّل منه إلينا. فديننا عزيز، ويجب علينا تحصينه في قلوبنا حتى لا يعبث به العابثون والحاقدون.
وصلِّ اللَّهمَّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
فهرس المحتويات:
-
الملخَّص: 2
- توطئة: 2
- كيف نشأ الإلحاد تاريخيًّا؟. 3
- 1) الإلحاد الفلسفيُّ في اليونان القديمة (أبديرا عام 470 ق.م) 3
- 2) الإلحاد في الثَّقافة الهندية ( عام 600 ق.م):. 4
- 3) الإلحاد في عصر التَّنوير الأوروبي (القرن الثَّامنَ عشرَ): 5
- 4) الشُّيوعية والإلحاد الماركسي (القرن التَّاسعَ عشرَ): 6
- 5) ما الإلحادُ الجديد ولماذا انهار؟ (2004م). 6
- 6) نظرة عامة: 7
- هل نحن مستعدُّون للمواجهة القادمة؟ 8
- فهرس المحتويات.. 11







