خطبة (محبةُ اللهِ سراجُ العابدِينَ)

خطبة (محبةُ اللهِ سراجُ العابدِينَ)

عنوان الخطبة: محبةُ اللهِ سراجُ العابدِينَ

عناصر الخطبة:

١- الاجتهادُ فِي العَشرِ الأواخرِ.

٢- عُكوفُ القلبِ على اللهِ.

٣- عُبوديَّةُ المحبَّةِ وسرُّها.

٤- علاماتُ المحبِّ للهِ

الحمدُ للهِ الجليلِ العظيمِ، العليِّ الكبيرِ، النُّورِ الجميلِ، البَرِّ الرَّحيمِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

هل سمعتُمْ عَنْ عَبدٍ يَعجَبُ اللهُ مِنْهُ، يُـحبُّهُ، يَضحَكُ إليهِ، يَستبشِرُ بهِ؟

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي! انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي! ...» الحديث. مسند أحمد (٣٩٤٩)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان (٢٥٤٨). (١).

ويقولُ النَّبيُّ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ الله ويَضحَكُ إِلَيْهِم ويَستبشِرُ بهِم»، وذكَر مِنهُم فقال: «وَالَّذِي لَهُ امْرَأَةٌ حسناءُ وفِراشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيقومُ مِنَ اللَّيْلِ، فيَذَرُ شَهْوَتَهُ فيذكُرُني ويُناجِينِي وَلَو شَاءَ رقَدَ» رواهُ البيهقِيُّالأسماء والصفات للبيهقي (٩٨٣)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٧٨). (٢).

إنّهُ عبدٌ امتلأَ قلبُهُ محبَّةً للهِ، وخشيةً منهُ، ورجاءً فيما عندَهُ، فمَا إنْ يَسدِلُ الليلُ سُدولَهُ، حتى يفرحَ بقُدومِهِ، فيقومُ تاركًا فراشَهُ وأهلَهُ، صافًّا قدمَيهِ بينَ يدَيْ ربِّهِ، مناجيًا إيَّاه، تاليًا كتابَهُ، راجيًا ثوابَهُ وفضلَهُ.

عبادَ الله:

هذهِ ليالي العشرِ الأواخرِ مِنْ شهرِ رمضانَ، إنَّها ليالي القُربِ، حين يعكُف القلبُ على اللهِ، تلكَ اللَّيالي التي كانَ سيِّدُ العابِدينَ نبيُّنا محمدٌ ﷺ يجتهدُ فيها أعظمَ الاجتهادِ في طاعتِهِ لربِّهِ وقُربِهِ مِنْ مَولاهُ.

تقولُ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» رواهُ البخاريُّ ومسلمٌصحيح البخاري (٢٠٢٤)، وصحيح مسلم (١١٧٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣).

وتقولُ أيضًا: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» رواهُ مسلمٌصحيح مسلم (١١٧٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٤).

بَلْ جاءَ في الصَّحيحينِ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»صحيح البخاري (٢٠٢٥)، وصحيح مسلم (١١٧١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٥).

أتدرِي مَا الاعتكافُ ومَا مقصودُهُ؟

الاعتكافُ عكوفُ القلبِ على اللهِ، انقطاعًا عَنْ الدُّنيا ومتعلَّقاتِها، وإقبالًا بالقلبِ والرّوحِ على اللهِ وحدَهُ، بحيثُ لا يصيرُ للعبدِ هَمٌّ ولا شُغلٌ ولا أُنسٌ إلا باللهِ وبلوغِ مراضِيهِ.

المعتكفُ ترَكَ بيتَهُ وزوجَهُ وأولادَهُ، وأتى بيتَ اللهِ بقلبِهِ قبلَ بدنِهِ، متخلِّيًا عَنْ لذّاتِ الدُّنيا الفانِيةِ، متبتِّلًا للهِ، تاليًا كتابَهُ، قائمًا بينَ يديهِ، قدْ عكفَ بقلبِهِ وبدنِهِ على عبادةِ ربِّهِ، فلا تراهُ إلّا ذاكرًا خاشعًا مُقبلًا مُخبتًا مُنيبًا، جمعَ حوائجَه وأناخَ مطاياهُ ببابِ ربِّهِ الكريمِ.

ولعلَّكَ تتساءلُ: لماذا؟ ما الباعثُ علَى ذلكَ؟

إنَّ أعظمَ مُحرِّكاتِ القلوبِ إلى اللهِ سبحانَهُ مَحبَّةُ اللهِ والشَّوقُ إليهِ.

عبوديةُ المحبَّةِ شراعُ السَّالكِ إلى اللهِ، ومطيَّةُ المهاجرِ إلى مولاه، ورأسُ الطَّائرِ في سماءِ العبوديَّةِ.

ألمْ تسمَعْ ثناءَ الملكِ على أوليائِهِ إذْ يقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ‌يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤].

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ : المؤمنُونَ يحِبُّونَ ربَّهُمْ أعظمَ مِنْ حُبِّهِمْ لكلِّ شيءٍ، إنَّهُ حبُّ تألُّهٍ وعبوديَّةٍ وخضوعٍ وتعظيمٍ.

فِي هذهِ الدُّنيا تعلَّقَتْ قلوبُ المشركينَ بأندادِهِمْ وعَكَفُوا بقلوبِهِم على أوثانِهِم، وتعلَّقَتْ قلوبُ المادّيِّينَ بشهَواتِهِم حتى عبَدُوا الدُّنيا وعكَفوا على لذَّاتِها، إلّا أنَّ حُبَّ المؤمنينَ للهِ وعكوفَ أرواحِهِم وقلوبِهِم على ربِّهِم لا مثيلَ لَهُ؛ لأنَّ اللهَ لا مثيلَ لَهُ!

قالَ اللهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ‌يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥].

إنَّهُم في لذّةٍ وسعادةٍ أخبرَ عنها نبيُّنا ﷺ فقالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» رواهُ البخاريُّ ومسلمٌصحيح البخاري (١٦)، وصحيح مسلم (٤٣)، من حديث أنس رضي الله عنه. (٦).

المحبُّ للهِ يحمِلُه حُبُّه لرَبِّه على أن يُؤْثِرَه على مَنْ سواهُ، يَذكُرَه فلا يَنسَاهُ، يستسلمَ لأمرِهِ بحبٍّ وتعظيمٍ، لا يقدِّمُ عليهِ أحدًا كائنًا مَنْ كَانَ.

ولعلَّكَ تسألُ: وكيفَ يوقَدُ سِراجُ حبِّ اللهِ؟

فاعلَمْ -عبدَ اللهِ- أَنْ قِنديلَ المحبَّةِ يُشعلُهُ عِلمُ القلبِ ومعرفتُهُ باللهِ، بأسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ.

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ!» قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: «فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟» قَالُوا: «يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ» قَالَ: «فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟» قَالَ: «فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا» رواهُ البخاريُّ ومسلمٌصحيح البخاري (٦٤٠٨)، وصحيح مسلم (٢٦٨٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٧).

 إنَّ القلبَ تُشرِقُ فِيهِ شمسُ محبَّةِ اللهِ بعلمِهِ بجلالِ اللهِ، وبجمالِهِ، وبإكرامِهِ، تلكَ ثُلاثيَّةُ الحبِّ.

حبٌّ لأجلِ جَلالِ اللهِ وكَمالِهِ، وحبٌّ لأجلِ جَمالِ اللهِ وأنوارِهِ، وحبٌّ لأَجلِ إكرامِ اللهِ وإحسانِهِ.

العَبدُ المؤمنُ إِنْ طالعَ قلبُهُ مَا أخبَرَنَا اللهُ بِهِ عَنْ جلالِهِ وكبريائِهِ وعظمتِهِ وعُلوِّهِ وكمالِه فإنَّه يمتلِئُ حبًّا للهِ سبحانَهُ.

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» رواهُ مسلمٌصحيح مسلم (٢٥٦٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٨).

إنَّ اللهَ تعالى لَهُ عظَمةُ الذَّاتِ، وعظَمةُ القَدْرِ والشَّأنِ، وعظَمةُ الأسماءِ والصِّفاتِ، لَهُ الكمالُ كلُّهُ مِنْ كُلِّ وجهٍ، تعالى سبحانَهُ عَنْ كُلِّ نقصٍ وعيبٍ.

واللهُ تعالى هُوَ الجميلُ سبحانَهُ، لَهُ جَمَالُ الذَّاتِ والأسماءِ والصِّفاتِ، وكُلُّ جمالٍ في الكونِ فمنهُ سبحانَهُ، وهُوَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ، حجابُهُ النُّورُ.

قالَ سبحانَهُ: اللَّهُ ‌نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥].

هُوَ سبحانَهُ كَمَا أخبرَ النَّبيُّ ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» رواهُ مسلمٌصحيح مسلم (١٧٩)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. (٩).

ويقولُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» رواهُ مسلمٌصحيح مسلم (٩١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (١٠).

واللهُ تعالى هُوَ ذُو الإكرامِ والإحسانِ، البَرُّ الجوادُ الوهَّابُ الأكرمُ، أسبغَ على عبادِهِ نِعَمَهُ، خلقَ لهُمْ ما في الأرضِ جميعًا، وسَخَّرَ لهُمْ الشَّمسَ والقمرَ والليلَ والنَّهارَ والفُلْكَ والبحرَ، جودًا وإحسانًا.

قالَ تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ‌سَخَّرَ ‌لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: ٢٠].

وسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، عفوٌ غفورٌ، حييٌّ سَتِيرٌ، غنيٌّ كريمٌ، صبورٌ حليمٌ، مجيبُ الدُّعاءِ، عظيمُ الرجاءِ، واسعُ الفضلِ والعطاءِ.

أنزلَ لهُم الكتابَ العظيمَ، وشرعَ لهُم الدِّينَ القويمَ، وأرسلَ لهُمْ النَّبيَّ الأمينَ الرَّحيمَ، يريدُ بهِمْ ولهُمْ اليُسرَ، يبسُطُ يدَهُ بالليلِ ليتوبَ مُسيءُ النهارِ، ويبسطُ يدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليلِ، ليسَ بينَهُ وبينَ خلقِهِ خصومَةٌ، بَلْ هُوَ القائلُ في الحديثِ الإلهيِّ: «يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» رواهُ التّرمذيُّجامع الترمذي (٣٥٤٠)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٧). (١١).

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.

 

الخُطبة الثَّانية

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:

لقَدْ كانَ سيِّدُ العابدينَ نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ عظيمَ الحبِّ لربِّهِ، الصَّلاةُ قُرَّةُ عينِهِ، وذكرُهُ لمولاهُ لا يفارِقُ قلبَهُ وشفتَيْهِ، وجهادُهُ في سبيلِ دينِهِ مقصودُ حياتِهِ، يحيا لأجلِ ربِّهِ، ويشتاقُ إلى لقائِهِ.

كانَ يَدْعُو رَبَّهُ: «وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ» رواهُ الترمذيُّجامع الترمذي (٣٢٣٥)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٦٨٤). (١٢).

يَهونُ عليهِ الأذى ما دامَ في سبيلِ ربِّهِ، بَلْ يستعذبُ الأذى لأجلِهِ.

ها هُوَ يُجرَحُ في بعضِ المعاركِ، فينظُرُ إلى جُرحِهِ ودمِهِ الشَّريفِ عَلَيْهِ فيقولُ: «هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟» رواهُ البخاريُّ ومسلمٌصحيح البخاري (٢٨٠٢)، وصحيح مسلم (١٧٩٦)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. (١٣).

أيُّها العابدُ المحبُّ للهِ! أَلَا تشتاقُ لرؤيةِ وجهِ الجليلِ الكريمِ؟

لقدَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يدعُو ربَّهُ بقلبِ المحبِّ قائلًا: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» رواهُ النسائيُّسنن النسائي (١٣٠٥)، من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب (١٠٦). (١٤).

وكيفَ لَا يشتاقُ وقدْ أخبرَنا أنَّ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ العظيمِ أحبُّ إلى أهلِ الجنةِ مِنْ كلِّ نعيمِ الجِنانِ.

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» رواهُ مسلمٌصحيح مسلم (١٨١)، من حديث صهيب رضي الله عنه. (١٥).

اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.

اللّهُمَّ آمِنّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.

رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

شارك المحتوى: