خطبة (اللهُ الخافضُ الرافعُ)

خطبة (اللهُ الخافضُ الرافعُ)

عنوانُ الخطبة: اللهُ الخافضُ الرافعُ

عناصرُ الخطبة:

١- الله وحدَه يخفِض ويرفَع برحمته وعَدْله
٢- الإيمان والقرآن معيار الرِّفعة
٣- مَن تواضَع لله رفعه

الحَمْدُ للهِ الذي رَفَعَ الإسلامَ وأهلَه بقُوَّتِه ورحمتِه، وخَفَضَ الكفرَ وأهلَه بعَدلِه وعزَّتِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبدَ الله:

هل دعوتَ اللهَ يومًا فقلتَ: «اللهمَّ ارفعني»؟

لقد كان نبيُّنا ﷺ يدعو بهذه الدَّعوةِ كلَّ ليلة، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَينَ السَّجدَتَينِ فِي صَلَاةِ اللَّيلِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي»سنن ابن ماجه (٨٩٨)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في أصل صفة الصلاة (٣/٨١٠). (١).

لقد رفعَ اللهُ قَدْرَ نبيِّه ﷺ في الدَّارَين، فقال: ‌وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤].

قامَ ﷺ للهِ بالعبوديَّةِ وإعلاءِ دينِه، فأرادَ الكافرونَ والمنافقونَ ذمَّه وطَمْسَ دعوتِه، فقالوا فيه: ساحرٌ، مجنونٌ، كذَّابٌ، فجعلَهم اللهُ في أسفلِ سافلين، وأعلى اللهُ مَقامَ نبيِّه ﷺ في أعلى علِّيِّين، كما فعلَ معَ الخليلِ إبراهيمَ عليه السلام فقال: قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ ‌الْأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٧-٩٨].

عباد الله:

اللهُ وحدَه الخافضُ الرَّافعُ، لا رافعَ لِما خفَضَ، ولا خافضَ لِما رفَعَ، له وحدَه الخَفضُ والرَّفعُ، شَرعًا وقَدْرًا، في الدُّنيا والآخِرة.

في الدُّنيا قضى سبحانَه أن يرفَعَ بعضَ النَّاسِ على بعضٍ، ويخفِضَ آخَرين، حِكمةً واختبارًا، فقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ‌وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ (١٦٥) [الأنعام: ١٦٥].

ومِن هذه الحِكَم أن يستعملَ بعضُهم بعضًا، ليقومَ نظامُ الحياةِ.

قال اللهُ: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ‌وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٣١-٣٢].

وهذا الخَفضُ والرَّفعُ من تدبيرِ اللهِ لخَلقِه، لا يملِكُه غيرُه، بل إنَّك لا تستطيعُ أن ترفَعَ جَنْبَك إلَّا بإذنِه، ولذا كان من دعاء نبيِّنا ﷺ إذا أوى إلى فراشه: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ»صحيح البخاري (٦٣٢٠)، وصحيح مسلم (٢٧١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢).

وهذا الخَفضُ والرَّفعُ يقضي به ربُّنا بميزانِ الحِكمةِ والرَّحمةِ، فبيَمينه الجودُ والإحسان، وبيده الأخرى العَدلُ والميزان، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ»صحيح البخاري (٧٤١١)، وصحيح مسلم (٩٣٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣).

يَخفِضُ ويرفع بعَدلِه، فلا يضَعُ الشَّيءَ إلَّا في موضعه، وهو كذلكَ وَسِعَت رحمتُه كلَّ شيء، فالخيرُ كلُّه بيدَيه، والشَّرُّ ليسَ إليه، ولذا قال النَّبيُّ ﷺ: «الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ، يَرْفَعُ أقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»سنن ابن ماجه (١٩٩)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وصححه الألباني في التعليقات الحسان (٩٣٩). (٤).

والدُّنيا وما فيها في غايةِ الهَوان على الله، لذا قضى سبحانه ألَّا يرفَعَ شيئًا من الدُّنيا إلَّا وضعَه.

ففي ذات يوم كان النَّبيُّ ﷺ على ناقته العَضبَاءَ وكانت لاَ تُسبَقُ، فَجَاءَ أَعرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ»صحيح البخاري (٢٨٧٢)، من حديث أنس رضي الله عنه. (٥).

هكذا هي الدُّنيا دارُ الغُرورِ، اليومَ شبابٌ وقوَّة، وغدًا ضعفٌ وشَيبةٌ، اليومَ صحَّةٌ وجمال، وغدًا سُقمٌ وزَوال، اليومَ غِنًى وعافية، وغدًا فقرٌ وبليَّة، فلا شيء مِن الدُّنيا إلَّا ومآلُه السُّفول والزّوال.

لذا فالمؤمِنُ ينبغِي أَن تكونَ غايتُه أن يرفعَ اللهُ قَدْرَه عندَه، فكَم مِن إنسانٍ رفيعِ القَدْرِ عند الخلق وهو مَهين عند الله لا وزنَ له، ومَن يُهِنِ اللهُ فما له من مُكرم.

لقد قضَى اللهُ سبحانه أنَّ الإنسانَ في سُفولٍ ما لم يكُن مؤمنًا صالحًا، فقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ ‌أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٣-٦].

وأيُّ رفعةٍ لإنسانٍ لا يؤمن بربِّه العظيم، ولا يستسلم لدينه القويم؟!

فلا يحزُنْكَ أيُّها المؤمِن ما فاتك من رِفعةٍ دنيويَّةٍ، إن كنتَ مؤمنًا تقيًّا، فإن الله يقول: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ ‌الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٣٩].

إنّ اللهَ الخافضَ الرافعَ قضى لهذه الأمَّة بالرِّفعة وعلوِّ المكانة، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ»مسند أحمد (٢١٢٢٢)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص٥٢). (٦).

لكن بأيِّ شيءٍ تكونُ هذه الرِّفعةُ؟

إنَّها لا تكونُ إلَّا بكتابِ اللهِ واتِّباعِ دينِه وشرعِه، فمن تمسَّكَ بهما أعزَّه ورفعَه، ومن تخلَّى عن دينِه خفضَه ووضعَه.

قال تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ‌وَإِنَّهُ ‌لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٣-٤٤].

‌وَإِنَّهُ ‌لَذِكْرٌ أي شرفٌ ورفعةٌ وعزةٌ وكرامةٌ، وسوفَ يسألُنا اللهُ عن تلكمُ النِّعمةِ الكبرى يومَ القيامةِ، أآمنّا بالوحيِ وعَمِلْنا بأحكامه فارتفعنا به بين الأمم؟ أم خلَّيناه خلفَ ظهورِنا فعوقِبنا بالسُّفُول والنَّدم؟!

إنَّ الفارقَ العظيمَ بيننا وبين الصَّحابةِ أنَّهم آمنوا وعَمِلوا حقًّا فرفعَهم اللهُ، لذا يقولُ ظهيرُ بنُ رافعٍ رضي اللهُ عنه: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَمرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرفَعُ لَنَا وَأَنفَعُ»مسند أحمد (١٧٥٣٩)، من حديث ظهير بن رافع رضي الله عنه، وإسناده صحيح. (٧).

القرآنُ -عبادَ الله- هو معيارُ الرِّفعةِ والتَّقدُّمِ، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»صحيح مسلم (٨١٧)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (٨).

يرفَعُهم به إن تمسَّكوا به في مناهجِ حياتِهم، حينَ ينبُذُونَ أهواءَهم ويُحكِّمونَ كتاب ربِّهم، تكونُ لهمُ الرِّفعةُ والشَّرفُ، وإلَّا كان حالُهم مثلَ الذي انسلخَ عن آياتِ اللهِ فقال في شأنِه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا ‌لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ١٧٥-١٧٧].

إن اللهَ الخافضُ الرافعُ، وهو الذي له ميزانُ العَدلِ في الحُكم شرعًا، بإعلاءِ الأَمر ورَفعِه، أو خفضِه ووضعِه، فلا نُعلي ولا نرفَعُ إلا ما أعلاه ورفعَه، ونضَعُ ونخفِضُ ما خفضَه ووضعَه.

لقد وقفَ النَّبيُّ ﷺ في حَجَّتِه خطيبًا يقول: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ»صحيح مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر رضي الله عنه. (٩).

الإسلامُ لا يلتقي مع الجاهليَّةِ، فإنَّها تخالفُه أصلًا وفرعًا، فانظر إلى العربِ كيف كانوا في جاهليَّةٍ في العقائدِ والشَّرائعِ والأخلاقِ، فلمَّا جاءَ الإسلامُ وضعَهَا برِجْسِها تحتَ الأقدامِ، وجعلَ لهذه الأمَّةِ دينًا قويمًا يُرفَع فوقَ الأعناقِ إيمانًا وعملًا، فيرفَع الله به الأمَّةَ عزَّةً ومجدًا.

وكذلك مناهجُ الجاهليَّةِ الحديثة التي تُناقِضُ الإسلام، موضِعُها تحتَ الأقدامِ، العَلمانيَّةُ والليبراليَّةُ والنِّسْويةُ، وسائرُ المناهجِ اللادينيَّةِ، لا يجوزُ أن يُرفَعَ شأنُها أو يمجَّدَ أهلُها، فأينَ الثَّرى من الثريَّا، وأين جهالاتُ النَّاسِ من شريعةِ ربِّ النَّاس؟!

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه وصحبِه ومن والاه، وبعد:

إنَّ المؤمِنَ لا يشمَخُ بأنفِه، ولا يتعاظَمُ في نفسِه، بل يتواضعُ لربِّه، وحينئذٍ يرفعُ اللهُ قدرَه ويُعْلي له ذكرَه.

يقول النَّبيُّ ﷺ: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»صحيح مسلم (٢٥٨٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٠).

إنَّ النَّاسَ لا يملكون خفضك ورفعك، بل ذاك الله وحده، فكن مؤمنًا متواضعًا لله يرفَعْ لك ذِكرَك، ويُعْلِ منزلتَك وقَدْرَك.

يقول عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه: «إِنَّ العَبدَ إِذَا تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَ اللَّهُ حَكَمَتَهُ (أي: قَدْرَه ومنزِلتَه) وَقَالَ: انتَعِش نَعَشَكَ اللهُ! (أي: رفعك الله) فَهُوَ فِي عَينِهِ حَقِيرٌ وَفِي أَعيُنِ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَإِذَا تَكَبَّرَ وَعَدَا وَهَصَهُ اللَّهُ (أي كسره الله وخفضه) إِلَى الأَرضِ، فَقَالَ: اخسَأ أَخسَأَكَ اللَّهُ! فَهُوَ فِي نَفسِهِ كَبِيرٌ، وَفِي أَعيُنِ النَّاسِ حَقِيرٌ، حَتَّى هُوَ أَحقَرُ فِي أَعيُنِ النَّاسِ مِن خِنزِيرٍ»المصنف (٣٤٤٦١)، من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار عنه، وصححه ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص٨٨). (١١).

ويقولُ ابنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه: «مَن تَطَاوَلَ تعظُّمًا خَفَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَن تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»الزهد للإمام أحمد (٨٥٩)، من طريق أبي إياس البجلي عنه، وإسناده صحيح. (١٢).

ولا أعظمَ رِفعةً من أن يرفعَ اللهُ منزلتَك يومَ القيامةِ، فإنَّ الجنَّةَ درجاتٌ ومنازلُ، فكن حريصًا على الدَّرجاتِ العُلا التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تِلكَ مَنَازِلُ الأَنبِيَاءِ لاَ يَبلُغُهَا غَيرُهُم؟ قَالَ: «بَلَى! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ»صحيح البخاري (٣٢٥٦)، وصحيح مسلم (٢٨٣١)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (١٣).

ومِن فضلِ اللهِ الرَّافع، أنّه يرفع المؤمِنَ بولدِه، ويرفعُ ولدَه به، كما قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤمِنِ فِي دَرَجَاتِهِ لِيُقِرَّ بِهِم عَينَهُ، وَإِن كَانُوا دُونَهُ فِي العَمَلِ»شرح مشكل الآثار (٣/١٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه به، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٩٠). (١٤).

ويقول النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ!»سنن ابن ماجه (٣٣٦٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٩٨). (١٥).

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمَّ كُن لإخوانِنا المستضعَفينَ في غزَّةَ وفي كلِّ مكانٍ، واكتب لهم نصرًا وفرجًا قريبًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

شارك المحتوى: