خطبة (حُبُّ الشُّهرَةِ)

خطبة (حُبُّ الشُّهرَةِ)

عنوان الخطبة: حُبُّ الشُّهرَةِ

عناصر الخطبة:

١-خُطُورَةُ دَاءِ حُبِّ الشُّهرَةِ

٢- المُؤمِنُ عَبدٌ لله حُرٌّ بِقَلبِهِ

٣- خَسَارَةُ مُحِبِّ الشُّهرَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ

الحَمدُ لله الَّذِي أَعَزَّ مَن أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ رِضَاهُ، وَأَذَلَّ مَن أَسخَطَهُ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا الله عِبَادَ الله حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عِبَادَ الله:

هَل سَمِعتُم عَن ثِيَابِ المَذَلَّةِ؟

إِنَّهَا إِحدَى العُقُوبَاتِ يَومَ القِيَامَةِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ، أَلْبَسَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ، ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ»سنن أبي داود (٤٠٢٩)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في غاية المرام (٩١). (١).

إِنسَانٌ لَبِسَ ثَوبًا مُمَيَّزًا، سَعيًا لِلشُّهرَةِ بَينَ النَّاسِ، لِيُشَارَ إِلَيهِ بِالبَنَانِ، وَيُصبِحَ حَدِيثَ النَّاسِ، سَوَاءٌ أكَانَ الثَّوبُ مُمَيَّزًا لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الزُّهدِ، أَم كَانَ شَارَةً لِلتَّفَاخُرِ وَالكِبرِ، أَم مثارًا للضَّحِكِ وَالهَزلِ، القَاسِمُ المُشتَرَكُ بَينَهُم هُوَ ذَاكَ الدَّاءُ العُضَالُ: حُبُّ الشُّهرَةِ، فَكَانَ الجَزَاءُ أَن يُعَامَلَ بِنَقِيضِ قَصدِهِ؛ يُلبِسُهُ الله يَومَ القِيَامَةِ أَمَامَ الخَلقِ ثَوبَ مَذَلَّةٍ وَمَهَانَةٍ.

دَاءٌ مِن أَخبَثِ الأَمرَاضِ، فَصَاحِبُهُ يَعِيشُ الرِّقَّ وَالأَسرَ، لَم يَنعَم بِالحُرِّيَّةِ بَعدُ، حُرِّيَّةِ العُبُودِيَّةِ لله وَحدَهُ، فَهُوَ أَسِيرٌ عِندَ النَّاسِ وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَتبُوعًا مِن قِبَلِهم، فَهُوَ أَسِيرُ إِعجَابِهِم وَنَظَرَاتِهِم، أَسِيرُ رِضَاهُم وَثَنَائِهِم، بَائِسٌ تَعِيسٌ، لَا تَعرِفُ لَهُ رَأيًا وَلَا فِكرًا وَلَا هُوِيَّةً وَلَا لَونًا، حَيَاتُهُ وَآرَاؤُهُ وَمَوَاقِفُهُ، بَل ثَوبُهُ وَحِليَتُهُ وَرُبَّمَا تَسرِيحَةُ شَعرِهِ، رَهنٌ لِمَا يُرضِي الآخَرِينَ، فَوِجهَتُهُ وَقَصدُهُ النَّاسُ، لَا رَبُّ النَّاسِ.

يَنشَأُ هَذَا الدَّاءُ مِنَ الإِعجَابِ بِالنَّفسِ، وَمَحَبَّةِ العُلُوِّ فِي الأَرضِ، وَهَذَا طَرِيقُ الهَلَاكِ، إِذ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ»المعجم الأوسط (٥٧٥٤)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٠٢). (٢).

هَلَاكٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعبُدُ الذِّكرَ وَالثَّنَاءَ، مِعيَارُ الفَضلِ وَالنَّجَاحِ عِندَهُ رَأيُ النَّاسِ فِيهِ، تُرضِيهِ الكَلِمَةُ وَيَأسِرُهُ الإِطرَاءُ، وَتُسخِطُهُ النَّصِيحَةُ وَالنَّقدُ البَنَّاءُ، وَيَحمِلُهُ حُبُّ العُلُوِّ أَن يَذكُرَ غَيرَهُ بِالنَّقَائِصِ وَالقَبَائِحِ، وَيَرفَعَ قَدر نفسه وَلَو بِأَكذَبِ المَدَائِحِ.

إِنَّنَا فِي عَصرِ الصُّورَةِ وَالتِّرِندِ، صَارَت وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ وَعَدَدُ المُتَابِعِينَ اليَومَ بَوَّابَةَ النُّجُومِيَّةِ وَالأَضوَاءِ، وَأَصبَحَ ذَلِكَ هُوَ المُتَحَكِّمَ فِي آرَاءِ النَّاسِ وَمَوَاقِفِهِم وَأَفعَالِهِم، فَالمَشَاهِيرُ هُم حَدِيثُ النَّاسِ وَقِبلَتُهُم، يُقَاسُ بِهِمُ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَالخَطَأُ وَالصَّوَابُ، وَالخَيرُ وَالشَّرُّ، وَالقُبحُ وَالجَمَالُ، وَلَيسَ للواحِدِ مِنهُم مُؤَهِّلٌ سِوَى أَنَّهُ مَشهُورٌ، حَتَّى صَارُوا سِلعَةً إِعلَانِيَّةً، تُرَوَّجُ بِهَا البِضَاعَةُ الكَاسِدَةُ، وَقِنَاعًا خَادِعًا، تُزَيَّفُ بِهِ الحَقَائِقُ الوَاضِحَةُ.

وَأَسوَأُ مِن ذَلِكَ مَن يَلتَمِسُ الشُّهرَةَ وَجَمِيلَ الأُحدُوثَةِ بَينَ النَّاسِ بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَتَرَاهُ يَعمَلُ الصَّالِحَاتِ يَبتَغِي الصَّدَارَةَ وَلِيُشَارَ إِلَيهِ بِالإِيمَانِ، وَيَبذُلُ الخَيرَاتِ يَقصِدُ السُّمعَةَ وَأَن يُذكَرَ بِالثَّنَاءِ بِكُلِّ لِسَانٍ.

وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ يَقصِدُونَ مَعَ الشُّهرَةِ وَبِالشُّهرَةِ الغِنَى وَالمَالَ، فَحَالُهُم كَمَا أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ، لِدِينِهِ»جامع الترمذي (٢٣٧٦)، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وصححه الألباني في التعليقات الحسان (٣٢١٨). (٣).

إِي وَرَبِّ الكَعبَةِ، حِرصُ الإِنسَانِ عَلَى المَالِ، وَحِرصُهُ عَلَى الشُّهرَةِ وَالجَاهِ، كِلَاهُمَا ذِئبَانِ ضَارِيَانِ إِن تَمَكَّنَا مِن قَلبِ عَبدٍ أَهلَكَاهُ وَأَذهَبَا دِينَهُ.

عِبَادَ الله:

إِنَّ الإِسلَامَ صَبَغَ أَتبَاعَهُ بِالعُبُودِيَّةِ لله وَحدَهُ، فَالله وَحدَهُ هُوَ الغَايَةُ الَّتِي يَجِبُ أَن تُقصَدَ بِالوِجهَةِ وَالعَمَلِ، وَهُوَ وَحدَهُ المَرجُوُّ بِالخَيرِ وَالفَضلِ، أَمَّا قَصدُ النَّاسِ فَغَايَةٌ مَآلُهَا الخَسَارَةُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

لَقَد جَاءَ عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ يَفعَلُ وَيَفعَلُ»، فقَالَ: «إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ» يَعنِي الذِّكرَمسند أحمد (١٨٢٦٢)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان (٣٣٣). (٤).

إِنَّهُ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ مَضرِبُ المَثَلِ بِالجُودِ وَالكَرَمِ، هُوَ القَائِلُ:

أَمَاوِيَّ إِنَّ المَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ .. وَيَبقَى مِنَ المَالِ الأَحَادِيثُ وَالذِّكرُ

فهذا مَقصِدُهُ، أَن يُذكَرَ بَينَ النَّاسِ فِي أَشعَارِهِم وَنَوَادِيهِم بِالجُودِ وَالكَرَمِ، فَأَنفَقَ المَالَ وَأَطعَمَ الطَّعَامَ، فَكَانَ لَهُ مَا أَرَادَ، وَلَيسَ لَهُ عِندَ الله نصيب ولا خَلَاقٌ.

لَقَد جَاءَ الإِسلَامُ لِيَضَعَ لَكَ المَعَايِيرَ الَّتِي بِهَا قِيَامُ الحَقِّ وَالعَدلِ، وَبُلُوغُ الفَلَاحِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَهَلِ الشُّهرَةُ بَينَ النَّاسِ مِعيَارُ حَقٍّ وَعَلَامَةُ فَلَاحٍ؟

لَقَد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ حَمدِي زَينٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَينٌ!»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذَاكَ الله عَزَّ وَجَلَّ»جامع الترمذي (٣٢٦٧)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٦٠٥). (٥).

إِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ زَينُ الإِنسَانِ أَو شَينُهُ، وَالَّذِي يَجِبُ أَن يَقصِدَهُ كُلُّ إِنسَانٍ، هُوَ الله الصَّمَدُ وَحدَهُ.

لِذَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ‌مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١].

إِنَّ كُلَّ النَّاسِ لَا يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِم وَلَا لِغَيرِهِم مِثقَالَ ذَرَّةٍ مِن نَفعٍ أَو ضَرٍّ، لَا يُغنُونَ عَن عَبدٍ شَيئًا، وَلِذَا قَالَ الله لِنَبِيِّهِ ﷺ: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ ‌يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٨-١٩].

الأَمرُ كُلُّهُ بِيَدِ الله، العَطَاءُ وَالمَنعُ، العِزُّ وَالذُّلُّ، القَبضُ وَالبَسطُ، المَحَبَّةُ وَالبُغضُ، الثَّنَاءُ الحَسَنُ وَالذِّكرُ السَّيِّئُ، كُلُّ هَذَا بِيَدِهِ وَحدَهُ، يَملِكُ القُلُوبَ وَالأَلسُنَ وَالخَلقَ وَمَا يَملِكُونَ، وَلِذَا لَا يَتَعَلَّقُ قَلبُ المُؤمِنِ وَلَا يَسأَلُ وَلَا يَرجُو إِلَّا رَبَّهُ، وَكُلُّ مُتَعَلِّقٍ رَاجٍ غَيرَ رَبِّهِ، فَمَآلُهُ الذَّمُّ وَالخِذلَانُ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: لَا تَجْعَلْ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ ‌مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء: ٢٢].

وَلِذَا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ابنَ عَبَّاسٍ فِي صِغَرِهِ فَقَالَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»جامع الترمذي (٢٥١٦)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٨٢). (٦).

إِنَّ المُؤمِنَ يُدرِكُ أَنَّ رِضَا الله هُوَ الغَايَةُ الَّتِي لَا تُترَكُ، وَأَنَّ رِضَا النَّاسِ لَيسَ بِغَايَةٍ تُطلَبُ، وَأَنَّ الله هُوَ الكَافِي عَبدَهُ كُلَّ سُوءٍ.

وَرَضِيَ الله عَنِ الفَارُوقِ عُمَرَ إِذ يَقُولُ: «مَنْ يُخْلِصْ نِيَّتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله يَكْفِهِ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ الله مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ، شَانَهُ الله»سنن الدارقطني (٤٤٧٢)، من طريق سعيد بن أبي بردة عن عمر وجادة، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢٦١٩). (٧).

أَلَم يَأتِكُم ذَاكَ الخَبَرُ العَجِيبُ؟!

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ»صحيح البخاري (٦٠٤٠)، وصحيح مسلم (٢٦٣٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٨).

عِبَادَ الله:

كَم مِن مَغمُورٍ فِي الأَرضِ، مُبتَلًى بِأَذَى النَّاسِ، لَكِنَّهُ عَظِيمُ القَدرِ عِندَ الله!

وَكَم مِن مَشهُورٍ فِي الأَرضِ، مُغتَرٍّ بِثَنَاءِ النَّاسِ، لَكِنَّهُ مَطرُودٌ مِن رَحمَةِ الله!

هَل مِعيَارُ النَّجَاحِ شُهرَةٌ تَملَأُ الآفَاقَ، وَصُوَرٌ جَذَّابَةٌ تُزَيِّنُ الصَّفَحَاتِ، وَأَلقَابٌ وَنَيَاشِينُ تُزَيِّنُ المَلَابِسَ وَالجُدرَانَ؟

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»صحيح مسلم (٢٦٢٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٩).

ويقول ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ»صحيح مسلم (٢٩٦٥)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. (١٠).

كَم تَعرِفُونَ مِن أَسمَاءِ الرُّسُلِ؟

قَالَ الله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ ‌لَمْ ‌نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨].

لَقَد أَرسَلَ الله ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمسَةَ عَشَرَ رَسُولًا هُم خَيرُ البَشَرِ، لَم يَذكُر مِنهُم فِي القُرآنِ إِلَّا القَلِيلَ، فَلَيسَ شَرطًا لِتَكُونَ عَظِيمَ القَدرِ عِندَ الله أَن يَبقَى اسمُكَ مُخَلَّدًا مَذكُورًا بَينَ النَّاسِ، لِأَنَّهُ كَفَى بِرَبِّ النَّاسِ عَلِيمًا.

لَمَّا جَاءَ رَجُلٌ بِبُشرَى فَتحِ نَهَاوَندَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنهُ، سَأَلَهُ عَنِ الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: «فلانٌ وفلان»، ثم قال: «وَآخَرِينَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ لَا تَعرِفُهُم، فَقَالَ عُمَرُ رِضوَانُ الله عَلَيهِ وَهُوَ يَبكِي: «لَا يَضُرُّهُمْ أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ عُمَرُ، لَكِنَّ الله يَعْرِفُهُمْ»صحيح ابن حبان (٤٧٥٦)، من حديث جبير بن حية عن عمر، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٢٦). (١١).

بَارَكَ الله لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ الله لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطبةُ الثَّانيةُ

الحَمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

إِنَّ الَّذِينَ تُحَرِّكُهُم فِي مَوَاقِفِهِم وَأَعمَالِهِمُ الشُّهرَةُ وَالذِّكرُ الحَسَنُ بَينَ النَّاسِ خَسِرُوا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنَّ الله يَقُولُ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ ‌لَا ‌يُرِيدُونَ ‌عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣].

إِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُم أَسِيرَ جُمهُورِهِ، يَخشَى خَسَارَةَ المُتَابِعِينَ، لِذَا هُوَ عَبدٌ فِي صُورَةِ نَجمٍ أَخَّاذٍ، يَمِيلُ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.

لَقَد خَسِرَ ثَوَابَ عَمَلِهِ إِذ قَصَدَ بِهِ الصِّيتَ وَالذِّكرَ وَالمَكَانَةَ، فَهَل يَجِدُ عِندَ النَّاسِ ثَوَابًا يَومَ القِيَامَةِ؟

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا جَمَعَ الله النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لله أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله؛ فَإِنَّ الله أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»جامع الترمذي (٣١٥٤)، من حديث أبي سعد بن أبي فضالة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٢٥٢١) (١٢).

كَم مِمَّن تَعَلَّمَ وَقَرَأَ وَعَلَّمَ وَكَتَبَ لِأَجلِ أَن يَحظَى بِالمُشَاهَدَاتِ وَالفَخرِ وَالمُبَاهَاةِ، فَهَل عَلِمَ المِسكِينُ أَنَّ الِاحتِقَارَ وَالمَهَانَةَ تَنتَظِرُهُ يَومَ القِيَامَةِ، إِذ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ، سَمَّعَ الله بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»مسند أحمد (٦٥٠٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥٦٦) (١٣).

لَيسَ هَذَا فَحَسبُ، بَل يُدخِلُهُ دَاؤُهُ جَهَنَّمَ، إِذ يَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ الله جَهَنَّمَ»سنن ابن ماجه (٢٦٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٠٦) (١٤).

اللهمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللهمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.

عِبَادَ الله: اُذكُرُوا الله ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ.

 

شارك المحتوى: