عنوان الخطبة: مَحَاسِنُ الشَّرعِ فِي أَحكَامِ البَيعِ
عناصر الخطبة:
١- صِفَةُ البَيعِ المَبرُورِ
٢- صُوَرٌ مِن مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ فِي البَيعِ
٣- يُسْرُ الشَّرِيعَةِ وَرَفْعُ الحَرَجِ
الحَمدُ لله الَّذِي أَقَامَ دِينَهُ فَلَم يَجعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَيَسَّرَ شَرعَهُ فَلَم يَجعَلْ فِيهِ ضِيقًا وَلَا حَرَجًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عِبَادَ اللهِ:
خَبَرٌ عَجِيبٌ جَمِيلٌ، أَخبَرَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن رَبِّ العَالَمِينَ فيما يكون يَومَ القِيَامَةِ، أَنَّهُ يَقُولُ سُبحَانَهُ: «انْظُرُوا فِي النَّارِ؛ هَلْ تَلْقَوْنَ مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ؟»، قَالَ: فَيَجِدُونَ فِي النَّارِ رَجُلًا، فَيَقُولُ لَهُ: «هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟» فَيَقُولُ: لَا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُسَامِحُ النَّاسَ فِي الْبَيْعِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَسْمِحُوا لِعَبْدِي كَإِسْمَاحِهِ إِلَى عَبِيدِي»المسند صحيح مسلم (١٦٠٥)، من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه. (١٥)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح موارد الظمآن (٢/٥١٥). (١).
أَلَا مَا أَكرَمَ اللهَ! حِينَ يَجعَلُ سَمَاحَةَ العَبدِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ سَبَبًا لِرَحمَتِهِ وَإِخرَاجِهِ مِنَ النَّارِ! أَوَلَم يَقُلْ نَبِيُّنَا ﷺ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»صحيح البخاري (٢٠٧٦)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٢).
عِبَادَ اللهِ:
لَا غِنَى لِلنَّاسِ فِي الحَيَاةِ عَن بَيعٍ وَشِرَاءٍ، فَهُوَ مِن ضَرُورَاتِ إِقَامَةِ الدُّنيَا، وَلَمَّا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ الكَامِلَةُ قَد جَاءَت بِتَحصِيلِ المَصَالِحِ وَتَكمِيلِهَا وَدَفعِ المَفَاسِدِ وَتَقلِيلِهَا، أَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَالشِّرَاءَ، بَل جَعَلَتِ الشَّرِيعَةُ التِّجَارَةَ وَتَوفِيرَ حَوَائِجِ النَّاسِ مِن أَفضَلِ المَكَاسِبِ وَفُرُوضِ الكِفَايَاتِ.
سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِه، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ»المسند (١٧٢٦٥)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٠٧). (٣).
البَيعُ المَبرُورُ هُوَ مَا لَم يُخَالِفِ الشَّرعَ، وَبُنِيَ عَلَى الصِّدقِ وَالبَيَانِ، ويُقَابِلُهُ البَيعُ المَأزُورُ.
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الكَامِلَةَ وَضَعَت نِظَامًا تَامًّا عَادِلًا لِلمُعَامَلَاتِ بَينَ النَّاسِ، يُحَقِّقُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَالدُّنيَا، وَيَنفِي عَنهُمُ الحَرَجَ وَالضِّيقَ، وَمِن ذَلِكَ القَوَاعِدُ المُنَظِّمَةُ لِلبَيعِ وَالشِّرَاءِ، الَّتِي تُظهِرُ مَحَاسِنَ الإِسلَامِ وَجَمَالَ التَّشرِيعِ، بِخِلَافِ المَنَاهِجِ الأَرضِيَّةِ مِنَ الرَّأْسَمَالِيَّةِ وَاللِّيبَرَالِيَّةِ.
وَأَوَّلُ ذَلِكَ حُسنُ المَقصِدِ، فَالإِسلَامُ يَجعَلُ الغَايَةَ مِنَ الحَيَاةِ إِقَامَةَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَحدَهُ، وَيعُدُّ الدُّنيَا مَزرَعَةً لِلآخِرَةِ، فَالبَيعُ وَالشِّرَاءُ عِندَ المُسلِمِ وَسِيلَةٌ لَا يَصِحُّ أَن تَحُولَ بَينَهُ وَبَينَ طَاعَةِ اللهِ، وَلِذَا تَجِدُ المُسلِمَ عِندَ بَيعِهِ وَشِرَائِهِ مُمتَثِلًا أَحكَامَ الإِسلَامِ، صَادِقًا أَمِينًا، يُحِبُّ لِلمُسلِمِينَ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ، لَا تَشغَلُهُ تِجَارَتُهُ عَن فَرَائِضِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور: ٣٧]. بِخِلَافِ النِّظَامِ الرَّأْسَمَالِيِّ الَّذِي غَايَتُهُ تَحصِيلُ الرِّبحِ وَالمَالِ، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَ.
إِنَّ مِن جَمَالِ شَرِيعَةِ الإِسلَامِ أَنَّهَا أَبَاحَتِ البَيعَ فِي كُلِّ طَيِّبٍ نَافِعٍ، وَحَرَّمَتِ البَيعَ فِي كُلِّ خَبِيثٍ ضَارٍّ وَمَا لَا نَفعَ فِيهِ، فَمَا حَرَّمَ اللهُ الانتِفَاعَ بِهِ حَرُمَتِ التِّجَارَةُ فِيهِ.
وَتِلكَ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ وَضَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا، حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ»المسند (٢٩٦١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في غاية المرام (٣١٨). (٤)، وَلِذَا يَحرُمُ بَيعُ التَّمَاثِيلِ، وَالخَمرِ، وَالسَّجَائِرِ، وَآلَاتِ المَعَازِفِ، وَالذَّهَبِ المَصنُوعِ زِينَةً لِلرِّجَالِ، وَثِيَابِ التَّبَرُّجِ المُحَرَّمَةِ لِلنِّسَاءِ، وَكُلِّ مَا ثَبَتَ تَحرِيمُهُ.
بَل حَرَّمَ الإِسلَامُ مَا عُلِمَ أَنَّهُ سَيُستَعمَلُ فِي الحَرَامِ، لِأَنَّ المَعُونَةَ عَلَى الإِثمِ إِثمٌ، فَلَا يَجُوزُ بَيعُ العِنَبِ لِمَن عُلِمَ أَنَّهُ سَيَصنَعُ مِنهُ الخَمرَ، وَلَا بَيعُ السِّلَاحِ فِي الفِتنَةِ.
أَمَّا فِي الرَّأْسَمَالِيَّةِ فَكُلُّ شَيءٍ يَجلِبُ الأَربَاحَ فَبَيعُهُ مُبَاحٌ، وَلَا يَحُدُّ ذَلِكَ إِلَّا مَا رَأَى النَّاسُ مَنعَهُ، لَا مَا مَنَعَهُ رَبُّ النَّاسِ العَلِيمُ الحَكِيمُ.
وَلِأَنَّ المَالَ نِعمَةٌ مِنَ اللهِ، بِهِ قِوَامُ الحَيَاةِ، حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسرَافَ وَإِنفَاقَ المَالِ فِيمَا لَا نَفعَ فِيهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١]، وَيَقُولُ ﷺ: «كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ»سنن النسائي (٢٥٥٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٩٠٤). (٥).
فَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ شَيءٍ بَاهِظِ الثَّمَنِ لِأَجلِ التَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرِ، حَتَّى سَمِعنَا مَن يَشتَرِي مَاعِزًا بِمِئَاتِ الآلَافِ وَيُحَلِّيهِ ذَهَبًا تَبَاهِيًا وَفَخرًا، أَلَا يَعلَمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللهَ سَائِلُهُم يَومَ القِيَامَةِ عَنِ المَالِ مِن أَينَ اكتَسَبُوهُ وَفِيمَا أَنفَقُوهُ؟
الإِنسَانُ فِي الشَّرِيعَةِ عَبدٌ لله لَا لِشَهَوَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ، أَمَّا فِي اللِّيبَرَالِيَّةِ الحَدِيثَةِ فَالإِنسَانُ كَائِنٌ استِهلَاكِيٌّ وَالهَدَفُ مَالُهُ، لِذَا تُصنَعُ لَهُ الحَوَائِجُ الَّتِي هُوَ فِي غِنًى عَنهَا، وَتُقَدَّمُ لَهُ بِأَبهَى دِعَايَةٍ لِتُوهِمَهُ بِالفَقرِ إِلَيهَا، فَلَا يَزَالُ كَادًّا فِي سَدِّ فَاقَتِهِ المُصطَنَعَةِ، وَإِنِ استَدَانَ بِالرِّبَا الفَاحِشِ.
وَمِن مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ كُلَّ مَا مِن شَأنِهِ أَكلُ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، قَالَ سُبحَانَهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩]، وقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ لِمَا حَرَّمَ اللهُ مَالَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم»المسند (٢٣٦٠٥)، من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٤٥٩). (٦).
وَلِذَا اشتَرَطَتِ الشَّرِيعَةُ التَّرَاضِيَ بَينَ المُتَبَايِعَينِ، فَلَا يَحِلُّ بَخْسُ النَّاسِ وَاستِغلَالُ حَاجَتِهِم، يَقُولُ سُبحَانَهُ: وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف: ٨٥]، ويقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ»سنن ابن ماجه (٢١٨٥)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٨٣). (٧).
وَحَرَّمَتِ الغِشَّ وَالتَّدلِيسَ وَكِتمَانَ العَيبِ، فَهَذَا نَبِيُّنَا ﷺ مَرَّ عَلَى صُبرَةِ طَعَامٍ فَأَدخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَت أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟»، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»صحيح مسلم (١٠٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٨).
إِنَّ فَرقًا عَظِيمًا بَينَ مُسلِمٍ يَنصَحُ لِأَخِيهِ المُسلِمِ فَيُبَيِّنُ وَلَا يَكتُمُ، وَبَينَ آخَرَ بَاعَ دِينَهُ بِدُنيَاهُ فَغَشَّ وَكَتَمَ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ»سنن ابن ماجه (٢٢٤٦)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وصححه الألباني في غاية المرام (٣٣٩). (٩).
وَتَوَعَّدَ اللهُ المُطَفِّفِينَ الَّذِينَ يَبخَسُونَ النَّاسَ أَشيَاءَهُم فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين: ١-٤].
وَحَرَّمَ بَيعَ الغَرَرِ، وَهُوَ كُلُّ بَيعٍ مَجهُولِ العَاقِبَةِ، فَالعِلمُ شَرطٌ لِصِحَّةِ البَيعِ؛ العِلمُ بِالسِّلعَةِ وَالثَّمَنِ وَالأَجَلِ إِذَا كَانَ العِوَضُ مُؤَجَّلًا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ مَحَلٌّ لِلخِدَاعِ وَمَآلُهَا الاختِلَافُ وَأَكلُ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، فَحَرَّمَ الشَّرعُ بُيُوعًا يَجمَعُهَا الجَهَالَةُ وَالغَرَرُ، وَمِن ذَلِكَ بَيعُ الثَّمَرَةِ قَبلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»صحيح البخاري (٢١٩٨)، وصحيح مسلم (١٥٥٥)، من حديث أنس رضي الله عنه. (١٠).
وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»صحيح مسلم (١٥١٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١١).
وَبَيعُ الحَصَاةِ كَأَن يَقُولَ التَّاجِرُ: ارمِ حَصَاةً، فَمَا وَقَعَت عَلَيهِ مِنَ السِّلَعِ فَهُوَ بِكَذَا مِنَ المَالِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بَيعٍ فِيهِ جَهَالَةٌ أَو مَيسِرٌ.
هَذِهِ البُيُوعُ حَرَّمَهَا الشَّرعُ رَحمَةً بِالنَّاسِ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الظُّلمِ وَالخِدَاعِ وَالغَرَرِ، فَأَينَ هَذَا مِن لِيبَرَالِيَّةٍ لَا تَرَى بِالغَرَرِ بَأسًا إذا كان الطَّرَفَانِ قدِ اتَّفَقَا عَلَيهِ؟ فَسُبحَانَ الحَكِيمِ الَّذِي يَأمُرُ بِالعَدلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.
وَحَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ كُلَّ بَيعٍ مِن شَأنِهِ أَن يُثِيرَ العَدَاوَاتِ بَينَ المُسلِمِينَ، ففي الصَّحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ «نهى عَنِ النَّجْشِ»صحيح البخاري (٢١٤٢)، وصحيح مسلم (١٥١٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (١٢)، وَهُوَ أَن يَزِيدَ إِنسَانٌ فِي ثَمَنِ سِلعَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا، وفي الصَّحيحين كذلك أنَّه قال ﷺ: «لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»صحيح البخاري (٢١٣٩)، وصحيح مسلم (١٤١٢)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (١٣).
وَحَرَّمَ أَن تُبَاعَ السِّلعَةُ قَبلَ تَمَلُّكِهَا، فَقَد سَأَلَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنَ البَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، ثُمَّ أَبِيعُهُ؟ قَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»جامع الترمذي (١٢٣٢)، من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٩٢). (١٤).
وَحَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ كَذَلِكَ كُلَّ بَيعٍ مِن شَأنِهِ أَن يَضُرَّ بِأَرزَاقِ النَّاسِ وَمَعَايِشِهِم، فَحَرَّمَتِ الاحتِكَارَ، وَهُوَ شِرَاءُ السِّلَعِ وَحَبسُهَا عَنِ النَّاسِ مَعَ حَاجَتِهِم إِلَيهَا؛ لِيَرتَفِعَ السِّعرُ، يَقُولُ ﷺ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»صحيح مسلم (١٦٠٥)، من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه. (١٥).
وَحَرَّمَت أَن يَأخُذَ التُّجَّارُ السِّلَعَ مِن أَهلِ البَادِيَةِ لِيَبِيعُوهَا هُم عَنهُم؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَفعِ السِّعرِ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ»صحيح مسلم (١٥٢٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١٦).
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
إِنَّ الشَّرِيعَةَ السَّمحَةَ شَرَعَت مَا يُيَسِّرُ عَلَى النَّاسِ حَيَاتَهُم وَيَرفَعُ عَنهُمُ الضِّيقَ وَالحَرَجَ، وَلِذَا شَرَعَ اللهُ فِي البَيعِ خِيَارَ المَجلِسِ، وَهُوَ أَن يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَينِ في مَجلِسِ البَيعِ الحَقُّ فِي إِتمَامِ البَيعِ أَو فَسْخِهِ، فَقَالَ ﷺ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»صحيح البخاري (٢٠٧٩)، وصحيح مسلم (١٥٣٢)، من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه. (١٧).
وَشَرَعَت فَوقَ ذَلِكَ خِيَارَ الشَّرطِ، وَهُوَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَينِ أَن يَشتَرِطَ مُدَّةً بَعدَ انتِهَاءِ البَيعِ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي إِمضَاءِ البَيعِ أَو فَسْخِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»جامع الترمذي (١٣٥٢)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٣٠٣). (١٨).
ثُمَّ أقرَّت حقَّ خِيَارِ العَيبِ، فَمَنِ اشتَرَى سِلعَةً ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيبًا حُقَّ لَهُ أَن يَرُدَّهَا إِن شَاءَ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً» - وهي التي حُبِسَ فيها اللَّبنُ لتَظهرَ كأنَّها شاةٌ حلوبٌ - فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ»صحيح مسلم (١٥٢٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٩).
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ وَرَغمَ أَنَّ البَيعَ يُصبِحُ لَازِمًا بِالمُفَارَقَةِ، فإنَّ الشَّرعَ حَثَّ كُلَّ طَرَفٍ على إِجَابَةِ الطَّرَفِ الآخَرِ إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي البَيعِ؛ رِفقًا مِنهُ بِهِ، فَإِنَّ الإِنسَانَ قَد يَتَسَرَّعُ وَيَندَمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ»سنن أبي داود (٣٤٦٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٣٣٤). (٢٠).
اللهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهُمَّ كُن لِإِخوَانِنَا المُستَضعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاكتُب لَهُم نَصرًا وَفَرَجًا قَرِيبًا.
عِبَادَ اللهِ: اُذكُرُوا اللهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







