﷽

ما المقصود بالضبط الدقيق للكون؟
الضبط الدقيق للكون يدلُّ على أن قوانين الفيزياء وثوابتها مضبوطة ضمن نطاق ضيِّق للغاية، بحيث يؤدّي أي تغيير طفيف فيها إلى استحالة نشوء الحياة. هذا التَّوافق المدهش يطرح سؤالًا مهمًّا: هل يمكن تفسير هذا الضبط بالصُّدفة العمياء، أم أنه يدل على قصد وغاية وراء بنية الكون؟ في هذا المقال نعرض برهان الضبط الدقيق للكون بأمثلته العلمية الأبرز، ونناقش أهم الاعتراضات المطروحة عليه، مع بيان قصورها عن تفسير هذا التوافق من غير افتراض خالق عليم حكيم.
ماذا يقول العلماء عن الضبط الدقيق؟
ازداد حضور مسألة الضبط الدقيق في النقاشات الفيزيائية المعاصرة، بعد أن كانت تُهمَّش سابقًا، وعن هذا التحول يقول الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل، فرانك ويلكزك في كتابه (الكون أم الأكوان المتعددة؟) صفحة (44)Wilczek، F. 2007. ‘Enlightnement، Knowledge، Ignorance، Temptation’. in B. J. Carr
ed. Universe or Multiverse?، Cambridge University Press. Pages 43–54
https://doi.org/10.1017/CBO9781107050990.005 (1):
«الآن، انطلقت الطليعة لتنضمَّ إلى الأنبياء في البرية».
ويعبّر الفلكي السير فريد هويل عن مدى صعوبة تفسير وجود الحياة بالصدفة، فيقول في كتابه (الكون الذكي) صفحة Susskind، Leonard. The cosmic landscape: String theory and the illusion of intelligent design. Back Bay Books، 2008. P (361). https://archive.org/details/cosmiclandscapes0000suss (18)Hoyle، Fred. "The intelligent universe." (1983). P (18-19). (2):
«إن احتمال نشوء الحياة بالصُّدفة على الأرض لا يتجاوز احتمال أن يحالف الحظ إعصارًا يضرب ساحة خردة فيُجمّع طائرة بوينغ 747».
وأما الفيزيائي فريمان دايسون فيقول في كتابه (إزعاج الكون) صفحة (250)، عن مدى وضوح علامات الضبط الدقيق في الكونDyson، Freeman، and Hans Bethe. "Disturbing the universe." (1979): 51-52. P (250). https://archive.org/details/disturbinguniver0000dyso (3):
«كلما تعمقت في دراسة الكون، وتفاصيل بنيته، وجدت أدلة أكثر على أن الكون، بطريقة ما، كان يعلم بقدومنا».
ويقول الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل، ريتشارد فاينمان، في كتابه (نظرية الكهروديناميكا الكمية: النظرية الغريبة للضوء والمادة) صفحة (127)، عن ثابت البنية الدقيقة الذي يُقدَّر بحوالي 1/137.035999، وهو رقم يصف قوة التفاعل بين الجُسيمات المشحونة كهربائيًا (مثل الإلكترونات والفوتونات)Feynman، Richard P. "QED: The strange theory of light and matter."(1985). P (127). https://archive.org/details/qedstrangetheory0000feyn_x8n8 (4):
«لقد ظل هذا الثابت لغزًا محيِّرًا منذ اكتشافه قبل أكثر من خمسين عامًا، وكل فيزيائي نظري بارع يعلق هذا الرقم على جدران مكتبه ويشغل باله به. قد تتساءلون فورًا: ما مصدر هذا الرقم الخاص؟ لا أحد يعلم. إنه أحد أعظم ألغاز الفيزياء، رقم سحري يصل إلينا دون أن نفهمه. قد تقولون إن يد الله هي التي كتبت هذا الرقم، ولا ندري كيف. نعرف الطريقة التجريبية اللازمة لقياس هذا الرقم بدقة متناهية. لكننا لا نعرف الطريقة الحاسوبية اللازمة لاستخراج هذا الرقم دون إدخاله سرًّا».
ولا يقتصر هذا الإدراك على المؤمنين أو المتديِّنين، بل يصرِّح به بعض الفيزيائيين المعروفين بإلحادهم، مثل ستيفن هوكينغ في كتابه (التصميم العظيم) صفحة (143)، حيث يصف عملية الضبط الدقيق بما يأتيHawking، Stephen W.، Stephen Hawking، and Leonard Mlodinow. The grand design. Random House، (2011). P (129). https://archive.org/details/granddesign0000hawk_n8q2 (5):
«تبدو معظم الثوابت الأساسية في نظرياتنا مضبوطة بدقة متناهية، بمعنى أنه لو طرأ عليها تغيير طفيف، لكان الكون مختلفًا نوعيًّا، وفي كثير من الحالات غير ملائم لنشوء الحياة».
أمثلة علمية على الضبط الدقيق للكون:
رنين الكربونSloan، David، et al.، eds. Fine-tuning in the Physical Universe. Cambridge University Press، 2020. P (42). https://doi.org/10.1017/9781108614023 (6):في خمسينات القرن العشرين ظهر لغز شغل العلماء، فالكيمياء الحيوية قائمة بالأساس على عنصر الكربون، فلولا وجوده لما وُجدت الحياة، لكن وجود الكربون في كوننا هذا يُعد شبه مستحيل؛ لأن الكربون يحتاج إلى اندماج نووي لثلاث ذرات هيليوم في قلب النجوم، وهذا لا يمكن أن يحدث في خطوة واحدة، لكن قد يحدث في خطوتين متتاليتين، بحيث يتكون أولًا عنصر البريليوم من ذرتَي هيليوم، ثم يندمج معهما ذرة هيليوم ثالثة في خطوة لاحقة. لكن هذا غير ممكن؛ لأن البريليوم عنصر غير مستقر قطُّ، إذ يتفكك ويعود إلى ذرتي هيليوم في جزء من مليون مليار جزء من الثانية.
حينها تصدى لحل هذا اللغز الفلكي السير فريد هويل، وقال: إنه لا بدَّ من وجود آلية غير متوقَّعة ضمن القوانين الفيزيائية المعروفة التي لا تسمح بوجود الكربون، وبالفعل تنبأ بوجود رنين الكربون، وهو حالة إثارة خاصة عند مستوى طاقة 7.65 ميغا إلكترون فولت في بنية الكربون. وهذه هي الحالة الأولية التي يتكون عندها الكربون. وهي ليست حالة عادية، فمستوى الطاقة هذا يعمل كمصيدة تجعل معدَّل انجذاب البريليوم مع الهيليوم أكبر بمليارات المرات مما كان يفترض أن يكون عليه لولا وجود تلك المصيدة.
ثم أوعز هويل لصديقه فولر أن يوظف مختبرات جامعة كالتيك للبحث عن مستوى الطاقة هذا. وبعد مدَّة وجيزة وجدوا رنين الكربون عند 7.65 ميغا إلكترون فولت كما تنبأ به هويل.
ولو تغيرت طاقة الرنين فارتفعت قليلًا أو انخفضت قليلًا لما وجد الكربون في كوننا. وكان هذا الاكتشاف سببًّا في تحوُّل هويل عن الإلحاد، فقد قالHoyle، F. 1982. The Universe: Past and Present Reflections. Annual Review of Astronomy and Astrophysics: 20:16. https://doi.org/10.1146/annurev.aa.20.090182.000245 (7):
«يشير التفسير المنطقي للحقائق إلى أن ذكاءً خارقًا قد تلاعب بالفيزياء، وكذلك بالكيمياء والأحياء، وأنه لا توجد قوًى عمياءُ طبيعية جديرة بأن تُذكر هنا. تبدو لي الأرقام التي تُحسب من هذه الحقائق دامغة لدرجة تجعل هذا الاستنتاج شبه محسوم».
الثابت الكونيCollins، Robin. "The Teleological Argument: An Exploration of the Fine‐Tuning of the Universe." The Blackwell companion to natural theology (2009): 202-281. https://doi.org/10.1002/9781444308334.ch4 (8):الثابت الكوني هو معامل في فيزياء الكون مسؤول عن تسارع تمدُّد الفضاء، وتكمن غرابته في أن قيمته صغيرة للغاية، إذ لا تتجاوز عند قياسها بوحدات بلانك. ولو كان أكبر قليلًا مما هو عليه، لتمدَّد الفضاء بسرعة هائلة بعد بداية وجود الكون، بحيث لا تتكوَّن المجرات والنجوم والكواكب؛ ولو كان أصغر قليلًا مما هو عليه، لانكمش الكون سريعًا وتحوَّل إلى ثقب أسود كبير. وفي الحالتين لا يمكن أن يوجد أي شكل من أشكال الحياة. وهذا الضبط الدقيق للثابت الكوني يتطلب دقة تفوق بكثير ما يلزم لإصابة هدف بحجم الذرة برمي سهم من القمر إلى سطح الأرض!
نسبة القوى الأساسيةمارتن ريس. (2016) فقط ستة أرقام، مركز براهين، الفصل الثالث. (9):القوة الكهرومغناطيسية هي المسؤولة عن الروابط الكيميائية والتجاذب الكهربي بين الشِّحنة السالبة والموجبة، وقوة الجاذبية هي المسؤولة عن التجاذب بين الكتل. والفرق بين القوَّتين كبير جدًّا، فالجاذبية أضعف بمقدار (أي 1 وأمامه 36 صفر) من قوة الكهرومغناطيسية. لكن لو كانت الجاذبية أقوى من ذلك وكان الفرق بينها وبين الكهرومغناطيسية هو فقط لاحترقت النجوم سريعًا وقصر عمر الكون، ولن يعيش كائن على الأرض بحجم أكبر من حجم الحشرات، إذ ستسحق الجاذبية أي شيء له نفس ضخامة أجسامنا البشرية.
الكفاءة النوويةالمصدر نفسه، الفصل الرابع. (10):الكفاءة النووية هي نسبة فقد الكتلة في التفاعلات النووية وقيمتها تساوي 0.007؛ أي: يتحول نحو 0.7% من كتلة نواة الذرة إلى طاقة في أثناء التفاعلات النووية.
هذه القيمة لها أهمية كبيرة؛ لأنها العامل المتحكم في تحويل الهيدروجين لعناصر الجدول الدوري الأخرى مثل الكربون والأكسجين في باطن النجوم بسبب الاندماج النووي. ولو كانت قيمتها أقل قليلًا تساوي 0.006، لأصبح كوننا به عنصر واحد فقط هو غاز الهيدروجين، وبالطبع لن توجد حياة ولا تفاعلات كيميائية، ولو كانت قيمتها أكبر قليلًا تساوي 0.008، لتحول جميع الهيدروجين في ابتداء الكون سريعًا لعناصر أخرى واختفى تمامًا، وكان هذا سيجعل عمر النجوم قصيرًا جدًّا، كما أنه من غير الهيدروجين لن يوجد الماء.
الإنتروبيا الثقاليةPenrose، R. (1989) The Emperor’s New Mind: Concerning Computers، Minds، and the Laws of Physics New York: Oxford University Press. P (343). https://archive.org/details/emperorsnewmindc1999penr (11):الإنتروبيا الثقالية هي التهيئة الابتدائية لتوزيع الكتلة والطاقة في الكون. فلِكَيْ نحصل على كون شبيه بكوننا يسمح بوجود الحياة، يجب أن تقع هذه التهيئة ضمن منطقة صغيرة على نحو بالغ الضآلة، مما يسميه الفيزيائيون: فضاء الطور للكون؛ أي فضاء جميع التوزيعات الممكنة للكتلة والطاقة. وقد حسبَ الفيزيائيُّ -الحاصل على جائزة نوبل- روجر بنروز قيمةَ الضبط الدقيق للإنتروبيا الثقالية، فوجده يساوي جزءًا واحدًا من ، ولتصوّر هذا الرقم يقول لك بنروز: خذ ورقة واملأها بالأصفار، ثم انسخ هذه الورقة عددًا كافيًا من المرات لملء الكون المرئي كله. ولو وضعت رقم Wilczek، F. 2007. ‘Enlightnement، Knowledge، Ignorance، Temptation’. in B. J. Carr ed. Universe or Multiverse?، Cambridge University Press. Pages 43–54 https://doi.org/10.1017/CBO9781107050990.005 (1) أمام جميع تلك الأصفار، لكان العدد الناتج أصغر بكثير جدًّا من.
ما برهان الضبط الدقيق؟
برهان الضبط الدقيق هو استدلال عقلي مبنيٌّ على مدخَلات علمية، يخلص إلى أن التوافق الدقيق لقوانين الكون وثوابته مع شروط وجود الحياة لا يمكن تفسيره بالصدفة أو الضرورة، بل يستلزم وجود خالق عليم حكيم أراد وجود الحياة على الأرض فهيَّأ لها أسبابها.
وهذا البرهان لا يعتمد على ندرة الاحتمال وضخامة الأرقام، وإنما يعتمد على إمكانية زوال هذا الضبط بأقل اضطراب في الثوابت والقوانين الفيزيائية، ولأن الاضطراب لا يمكن منعه عن طريق الصدفة، فيكون هذا المنع مقصودًا ودالًّا على سبب غائي.

على سبيل المثال: هب أنَّ مجموعة من رجال عميان يملؤون المجموعة الشمسية، وفي يد كل منهم مكعب روبيك مختلط يحركونه عشوائيًّا؛ فما احتمال وصول هؤلاء الرجال جميعًا للترتيب الصحيح لمكعباتهم في نفس الوقت؟
بالتأكيد هو احتمال خرافي، وكل عاقل يعلم أن حصوله بالصُّدفة وبدون مسوِّغ غائي هو أمر لا يمكن وقوعه.
لكن الاستحالة هنا ليست مقتصرة فقط على نجاح رجل أعمى في ترتيب مكعب روبيك بالشكل الصحيح وهو لا يرى ألوانه، وليست كذلك في حصول هذا النجاح بشكل متزامن لجميع العميان الذين يملؤون المجموعة الشمسية، وإنما يذهب برهان الضبط الدقيق لما هو أبعد من ذلك، فيتجاوز قضية الاحتمالات برُمَّتها ويقف عند استحالة محققة وهي: (أن يتوقف هؤلاء العميان عن تحريك المكعبات بعد وصولهم للحلِّ الصحيح).
فالعمليات العشوائية -بحكم طبيعتها- لا تملك سببًا يجعلها تتوقف عند قيمة بعينها بدلًا من أن تواصل الحركة والاضطراب إلى الأبد؛ أي إنه لو سُلِّم جدلًا بأن الصدفة أصابت هذا الهدف غير المعقول في لحظة ما، فلا يوجد ما يفسر توقفها واستقرارها عنده على الدوام. ومن ثَمّ، فالإشكال الحقيقي ليس في مجرد ندرة الوصول لضبط دقيق، بل في غياب أي مبدأ أو آلية تجعل الطبيعة تستقر بالصدفة عند قيم الضبط الدقيق المحددة، من غير أن تضطرب وتخرج عن اتزانها الحرج.
فمن لجأ لشيء طبيعي يمنع الاضطراب، لزمه سؤال: من ضبط هذا الضابط الطبيعي؟ ومن اكتفى بالعشوائية، لزمه وقوع الاضطراب وزوال الضبط الدقيق، وهو خلاف المشاهد.
فلا يمكن تفسير الضبط الدقيق سوى بوجود خالق عليم حكيم أراد هذا الضبط وقدره سببًا لوجود الحياة على الأرض.
ما أهمُّ الاعتراضات على برهان الضبط الدقيق؟
حاول الفيزيائي الملحد فيكتور ستينغر التشكيك في مدى صحة الضبط الدقيق لقيم الثوابت الفيزيائية، وجادل بوجود مساحة واسعة لتفاوت تلك القيم، وقد تعقبه فيزيائيون آخرون وردوا عليه، ومن أبرز هؤلاء وأكثرهم تحمُّسًا لدليل الضبط الدقيق على وجود الله هو الفيزيائي لوك بارنزBarnes، Luke A. "The fine-tuning of the universe for intelligent life." Publications of the Astronomical Society of Australia 29.4 (2012): 529-564. https://doi.org/10.1071/AS12015 (12).
لكن أكثر الفيزيائيين – حتى الملاحدة منهم- لا ينازعون في وجود الضبط الدقيق ابتداء، لكن يذهبون إلى تأويلات واهية لتفسيره، حتى يتسنَّى لهم نفي دلالة هذا الضبط الدقيق للكون على وجود خالقه عز وجل. وعلى رأس هذه التأويلات تأتي فرضية الأكوان المتعددة، وتوجد فرضية أخرى للفيزيائي لي سمولين وإن كانت لم تحظَ باهتمام واسع من الفيزيائيين، وهي فرضية الانتخاب الطبيعي الكوني. وأخيرًا يوجد المبدأ الأنثروبي الضعيف، وهو ما سنبدأ به.
المبدأ الأنثروبي الضعيف:
المبدأ الأنثروبي الضعيف هو طرح فلسفي يرى أن ملاحظتنا لضبط الكون بدقة لا تستدعي البحث عن تفسير سببي مستقلٍّ؛ لأنَّ وجودنا -على أنَّا ملاحظون- مشروط أصلًا بكون الكون قابلًا للحياة؛ فلو لم يكن كذلك لما وُجد من يلاحظ هذا الضبط. ويُستخدم هذا المبدأ أحيانًا للالتفاف على سؤال تفسير الضبط الدقيق بدل الإجابة عنه.
الرد:
المبدأ الأنثروبي الضعيف لا يجيب عن سؤال سبب وجود الضبط الدقيق، وإنما يستبدله بسؤال إبستمولوجي عن شروط ملاحظتنا نحن لهذا الضبط، وهو بذلك يقع في مغالطة تغيير محل النزاع؛ فبدلًا من الإجابة عن السؤال الجوهري الذي طرحه كبار الفيزيائيين: «لماذا هذه القوانين والثوابت الفيزيائية وليس غيرها؟» إذا به يجيب عن سؤال آخر هو: «لماذا نحن قادرون على التساؤل؟».

وهذا الأمر يشبه: لو أن شخصًا حُكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص من فرقة مدربة، ثم أخطأ جميع أفرادها الهدف مرارًا وتَكرارًا؛ فنجي هذا المحكوم عليه بالإعدام وتساءل لماذا أخطَؤُوا جميعًا؟ ثم جاء من يقول له: لا تسأل لماذا أخطَؤُوا؛ فالأمر لا يستدعي البحث عن تفسير؛ لأنهم لو لم يخطئوا لما نجوت، ولولا نجاتك لما أصبحت قادرًا على التساؤل.
فما قاله ليس جوابًا عن سؤال «لماذا أخطَؤُوا؟»، وإنما حيدة لسؤال آخر وهو «لماذا أصبح الناجي قادرًا على التساؤل عن خطئهم؟». وأما سؤال «لماذا أخطَؤُوا» فسيظل صحيحًا وموضوعيًا سواء أتمكن الناجي من طرحه أم طرحه غيره.
خلاصة الرد: لماذا لا يُعدُّ المبدأ الأنثروبي الضَّعيف تفسيرًا للضَّبط الدَّقيق؟
المبدأ الأنثروبي الضعيف يصف شرط ملاحظتنا للكون القابل للحياة، لكنه لا يقدِّم سببًا مفسِّرًا لكون القوانين والثوابت مضبوطة ضمن نطاق يسمح بالحياة.
الأكوان المتعددة (المبدأ الأنثروبي القوي):
ما فرضية الأكوان المتعددة (المبدأ الأنثروبي القوي)؟
فرضية الأكوان المتعددة طرح نظري يرى أن كوننا ليس الكون الوحيد، بل جزء من عدد هائل –وربَّما لا نهائي– من الأكوان، لكل منها قوانين وثوابت فيزيائية مختلفة. وتُستمَدُّ هذه الفرضية من فرضيات أخرى، مثل: التضخُّم الأبدي والأوتار الفائقة، ويُقدَّم هذا الطرح على أنَّه تفسير طبيعيٌّ محتملٌ للضبط الدَّقيق؛ إذ يُقال: إن ظهور كون قابل للحياة ليس أمرًا مستبعَدًا في ظل هذا العدد الكبير من الأكوان، لأننا ببساطة نوجد في أحد الأكوان النادرة التي تسمح بوجودنا. ويُعرف هذا النَّمَط من التفسير باسم المبدأ الأنثروبي القوي.
الرد:

هذا التفسير يواجه عدة إشكالات، وكثير من الفيزيائيِّين انتقدوا فرضية الأكوان المتعدِّدة، وعدُّوها أقرب إلى تخمين فلسفي غير قابل للاختبار التجريبي، ولا يمكنها التَّنبُّؤ بشيء محدَّدhttps://www.forbes.com/sites/startswithabang/2017/09/28/is-the-inflationary-universe-a-scientific-theory-not-anymore/ (13).
ويمكننا تلخيص تلك الانتقادات بما يأتي:
أولًا: عدم القدرة على التَّنبُّؤ، وهذا يرجع إلى مشكلة أساسية في بناء فرضية التَّضخُّم الأبدي التي انبثقت عنها فرضية الأكوان المتعدِّدة، وتعرف هذه المشكلة باسم «مشكلة القياس»Linde، Andrei، and Mahdiyar Noorbala. "Measure problem for eternal and non-eternal inflation." Journal of Cosmology and Astroparticle Physics 2010.09 (2010): 008. https://doi.org/10.1088/1475-7516/2010/09/008 (14)، وهي تتعلَّق بعدم وجود فضاء احتمالات معلوم لما يمكن أن ينتج عن هذا الكون الأكبر الذي تتولَّد عنه فقاعات الأكوان المتعددة.
لذا لا يوجد ما يضمن أن ثوابت كوننا وقوانينه يمكن تولُّدها بهذه السردية التضخُّمية مهما توسعت إلى ما لانهاية؛ لأنَّ الما لانهاية لا تستلزم الشمول ما لم يكن الشيء المعني داخل فضاء الإمكانات.
مثلما أن وجود عدد زوجي لا يمكن الحصول عليه داخل مجموعة أعداد فردية حتى لو كانت لانهائية؛ وذلك لأن الأعداد الزوجية ليست ضمن إطار تلك المجموعة الفردية أصلًا.
فما دمت لا تعلم فضاء الاحتمالات الممكن تولُّدها عن شيء ما فلا يمكن أن تفترض أنه حتمًا سيُنتِج كل شيء.
ثانيًا: الأكوان المتعدِّدة لا تفسر شيئًا؛ وذلك لأنها لم تقدِّم تفسيرًا للضبط الدقيق في كوننا، وفي المقابل قدَّمت أكوانًا أخرى عديدة غير مضبوطة، وهذا ما زال لا يفسر شيئًا.

وهذا مماثل لقولنا: لا يصحُّ أن نفسِّر نجاح فيل في السير على حبل بين جبلين، اعتمادًا على أنَّ عددًا لانهائيًّا من الأفيال سقطوا من فوق أحبال مجاورة؛ فسقوط عدد لانهائي لا يلزم منه نجاح أحد الأفيال في العبور؛ فقد يكون السُّقوط حتميًّا في حق جميع الأفيال. وكثرة سقوط الأفيال بالجوار لا يفسِّر نجاح هذا الفيل المعيَّن؛ لأن فشلهم لا يتسبَّب في نجاحه، وإنما سيتطلب الأمر تفسيرًا خاصًّا لهذا النجاح ولا يمكن اختزاله في فشل الآخرين.
ثالثًا: الأكوان المتعدِّدة تفترض وجود ضبط دقيق سابق، بحيث يسمح بوجودها واستقرارها وإنتاجها للأكوان الفرعية، وبذلك فهي لا تحُلُّ مشكلة الضبط الدقيق في كوننا، بل تُرجئها وتُضاعفها؛ إذ تُطالب بتفسير ضبطٍ أعلى يسبق ضبط كوننا نفسه.
فحتى لو افترضنا -جدلًا- وجود الأكوان المتعدِّدة، يجب أن يوجد ضبط دقيق على مستوى الشيء المولِّد لتلك الفقاعات الكونية، حتى يتمكن من إنتاج كونٍ مضبوطٍ ككوننا في إحدى المرَّاتIjjas، Anna، Paul J. Steinhardt، and Abraham Loeb. "Inflationary paradigm in trouble after Planck2013." Physics Letters B 723.4-5 (2013): 261-266. https://doi.org/10.1016/j.physletb.2013.05.023 (15).
كما يجب أن يوجد ضبط دقيق يضمن انعزالًا سببيًّا صارمًا بين الفقاعات الكونية، واستقرارًا للقوانين داخل كل فقاعة، وإلا امتنع وجود أي كون مضبوط بدقَّة -مثل كوننا- لأنَّه حتمًا سيضطرب بفعل التأثيرات المتعدِّية التي تصله من الخارج، سواء أكان من مولد الأكوان الأم أم من الفقاعات المجاورة.
ولا يمكن منع تلك التأثيرات المتعدية إلا بثبات البنية السببية للزَّمان والمكان، وثبات الحدِّ الأقصى لسرعة انتقال أي تأثير فيزيائي عبر المولِّد الأم والفقاعات المتولدة بما لا يزيد على سرعة الضُّوء، وثبات تمدُّد الفضاء نفسه بسرعة أكبر من سرعة الضوء؛ لأنه من غير ذلك ستتداخل التأثيرات الفيزيائية بين الأكوان وتضطرب الثوابت الفيزيائية فيها جميعًا.
وهذا كلُّه يوضح أن الأكوان المتعدِّدة لا تُلغي الضبط الدقيق، بل تنقله إلى مستوى أعلى، وهو ضبط آلية التوليد وآلية العزل، بحيث تسمح بظهور أكوان مستقرة وقابلة للحياة من غير اضطرابات تخرجها عن الاتزان الحرج.
خلاصة الرد على الأكوان المتعددة:
أنها فرضية لا تقدم تفسيرًا للضَّبط الدَّقيق؛ لأنها:
1) غير علمية وغير قابلة للاختبار التَّجريبي.
2) تفترض ضبطًا دقيقًا أعلى، فهي تنقل السؤال ولا تجيب عنه.
3) إذا تخلَّت عن الضَّبط الدَّقيق الأعلى، فلن تنتج أكوانًا مستقرَّة، ولن تمنع اضطراب الثوابت الفيزيائية.
الانتخاب الطبيعي الكوني:
ما فرضية الانتخاب الطبيعي الكوني؟
الانتخاب الطبيعي الكوني هو نموذج فيزيائي نظري مستلهَم من النموذج الدَّاروينيِّ في الأحياء، فكما حصل تكاثر وطفرات وانتخاب طبيعي في الداروينية فكذلك افترض الفيزيائي لي سمولين ما يأتي:
أولًا: الأكوان تتكاثر بالثقوب السوداء، وأن كل ثقب أسود يلد كونًا ابنًا.
ثانيًا: أن الثوابت الفيزيائية تتغيَّر تغيُّرًا طفيفًا عند كل ولادة كونية فيما يشبه الوراثة والطَّفَرات الداروينية.
ثالثًا: أنه كلمَّا كانت قيم الثوابت الفيزيائية تؤدي إلى وجود ثقوب سوداء أكثر، تكرر وجود هذه الثوابت في الأكوان الوليدة فيما يشبه الانتخاب الطبيعي.
رابعًا: أن الثوابت التي تسمح بتكوين نجوم وثقوب سوداء قد تكون هي نفسها التي تسمح بالحياة، فحين يعمل الانتخاب الطبيعي الكوني على زيادة عدد الأكوان التي تحتوي أعدادًا كبيرة من الثقوب السوداء، يزيد في الوقت نفسه عدد الأكوان التي تسمح بوجود الحياة على أنَّه أثر جانبي غير مقصود لذاته.
الرد:
قدَّم روجر بنروز وسوسكيند وألكسندر فيلنكين وغيرهم من الفيزيائيين انتقاداتٍ علميَّةً كثيرة على هذه الفرضية https://www.physicstogod.com/post/cosmological-natural-selection#:~:text=its%20three%20premises.-,1.,bang%20and%20a%20new%20universe. (16):
أولًا: لا يوجد ما يسوِّغ افتراض أن الثقوب السوداء تلد أكوانًا، بل على العكس من ذلك، فالثقوب السوداء تكون في أقصى حالة من الإنتروبيا، في حين أن حالة ولادة الكون تتطلب أقل حالة من الإنتروبياPenrose، Roger. The road to reality. Random house، 2006. P (761). https://archive.org/details/roadtorealitycom0000penr (17).
ثانيًا: لا يوجد دليل على افتراض الاقتران بين قيم الثوابت الفيزيائية التي تدعم تكوُّن الثقوب السوداء، وتدعم وجود الحياة على الأرض، بل على العكس، فالمناطق التي تكثر بها الثقوب السوداء تكون عنيفة ولا يمكن أن تنشأ فيها الحياةSusskind، Leonard. The cosmic landscape: String theory and the illusion of intelligent design. Back Bay Books، 2008. P (361). https://archive.org/details/cosmiclandscapes0000suss (18)، Vilenkin، Alexander. "On cosmic natural selection." arXiv preprint hep-th/0610051 (2006). https://doi.org/10.48550/arXiv.hep-th/0610051 (19).
ثالثًا: افتراض أن الأكوان الوليدة تحمل نفس قوانين أمهاتها الكونية لكن مع تغيُّر طفيف يسمح لها بتعديل يسير على قيم الثوابت الفيزيائية، هو افتراض ناقص؛ فإما أن تفترض أن القوانين تتغيَّر بلا قيد، وإما أن تفترض أنها لا تتغيَّر. لكن أن تفترض تغيُّرها بقيد ضئيل فهذا لا مسوِّغ له، ولو صح فهو ضبط دقيق واضح وصريح يستلزم وجود آلية خاصة لضبطه.
وهذا ما اعترف به سمولين نفسه وسماه معضلة القوانين الفوقية، في كتابه (ولادة جديدة للزمن) صفحة (243)، حيث قالSmolin، Lee. Time reborn: From the crisis in physics to the future of the universe. Houghton Mifflin Harcourt، 2013. P (243). https://archive.org/details/timerebornfromcr0000smol_p0r1 (20):
«لكن لنفترض وجود قانون فوقي، ألا ينبغي لنا أن نرغب في معرفة سبب حكم هذا القانون الفوقي دون غيره لتطوُّر القوانين في كوننا؟ وإذا كان القانون الفوقي يؤثر على القوانين السابقة ليُنتج قوانين مستقبلية، فإن جزءًا من تفسير القوانين الحالية سيعتمد على ماهية تلك القوانين السابقة، وبالتالي لا مفر من سؤال «لماذا هذه الشروط الأولية؟». قد تؤدي فرضية القانون الفوقي إلى تسلسل لا نهائي (قد يُجاب عن سؤال «لماذا هذا القانون الفوقي؟» بقوانين فوقية، وهكذا). هذا أحد جوانب المعضلة. أما الاحتمال الآخر فهو عدم وجود قانون فوقي، عندها سيُصبح هناك عنصر عشوائية في تطور القوانين، مما يعني مجدَّدًا أن ليس كل شيء قابلًا للتفسير، وأن مبدأ السبب الكافي يُنتهك في صميم العلم. نُطلق أنا وروبرتو مانغابيرا أونغر على هذا معضلة القوانين الفوقية».
خلاصة الرد على الانتخاب الطبيعي الكوني:
1) لا يوجد دليل على أن الثقوب السوداء تلد أكوانًا.
2) لا يوجد دليل على أن الثوابت المثلى للثقوب السوداء هي نفسها المثلى للحياة.
3) لو كانت الأكوان الوليدة تحمل نفس صفات أمهاتها الكونية مع تغيُّر طفيف، لكان ذلك مستلزمًا لوجود ضبط دقيق على مستوى أعمق، وهذا ما اعترف به سمولين نفسه وسماه معضلة القوانين الفوقية.
الخاتمة:
يبيِّن برهان الضبط الدقيق أن الكون ليس مجرد نتاج تراكمي لقوانين عمياء أو صدف عشوائية، بل منظومة مستقرة عند قيم دقيقة يستحيل استمرارها بلا سبب مخصِّص يمنع اضطرابها. وبعد فحص أبرز الاعتراضات الطبيعية، يتَّضح أنها لا تُقدِّم تفسيرًا سببيًّا كافيًا لهذا الاستقرار، بل تكتفي بإرجاء السؤال أو الالتفاف حوله. وعليه، فإن الضبط الدقيق للكون يدل دلالة عقلية واضحة على وجود خالق عليم حكيم قدَّر هذا الكون وأحكم قوانينه ليكون صالحًا لوجود الحياة.







