خطبة (فلما أسلما)

خطبة (فلما أسلما)

عنوان الخطبة: {فلمَّا أَسْلَمَا}

عناصر الخطبة:

١- معنى الإسلام لله

٢- لماذا نسلم لله؟

٣- الاستسلام لأمر الله عصمة من الهلاك

الحَمدُ للهِ الذي سَلَّمَ أولياءَهُ بإسلامِهِم لأمرِهِ، ورَضِيَ عَنهُم وأرضَاهُم برِضَاهُم بحُكمِهِ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَراقِبُوهُ في السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

«اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ».. هَذَا الإعلَانُ الدَّائِمُ بالإسلَامِ، كَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُهُ نَبِيُّ الإسلَامِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.

يَقُولُهُ فِي ذِكرِهِ الدَّائِمِ لِرَبِّهِ، كَمَا قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ» صحيح مسلم (٢٧١٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.  (١).

وَيَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ يَتَهَجَّدُ فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ» صحيح البخاري (١١٢٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.  (٢)، وَإِذَا رَكَعَ يَقُولُ: «اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ»، وَإِذَا سَجَدَ يَقُولُ: «اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ» صحيح مسلم (٧٧١)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.  (٣).

وَيُعَلِّمُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَقُولَ قَبلَ نَومِهِ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» صحيح البخاري (٢٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧١٠)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.  (٤).

فإِذَا عَلِمتَ عَظَمَةَ هَذَا الإعلَانِ النَّبَوِيِّ الدَّائِمِ بالإسلَامِ للهِ، فَمَا مَعنَى أَن تُسلِمَ للهِ؟

لَعَلَّ فِي قِصَّةِ خَلِيلِ الرَّحمَنِ إِبرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ خَيرُ بَيَانٍ.

تِلكَ الحَادِثَةُ الَّتِي قَصَّهَا اللهُ عَلَينَا فِي كِتَابِهِ لِتُخَلِّدَ فِي أَفئِدَةِ المُؤمِنِينَ دَرسًا لَا يُنسَى مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ.

قَالَ سُبْحَانَهُ: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ ‌هَبْ ‌لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٠٠-١١١].

مَا أَعظَمَ هَذَا البَلَاءَ! فَإِنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَمَا كَبِرَتْ سِنُّهُ سَأَلَ رَبَّهُ وَلَدًا صَالِحًا، فَبَشَّرَهُ اللهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ هُوَ إِسمَاعِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَمَا إِن شَبَّ وَصَارَ عَونًا لِأَبِيهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَمَولَاهُ، حَتَّى أَمَرَهُ اللهُ بِذَبحِهِ، فَمَا إِن أَخبَرَ إِسمَاعِيلَ حَتَّى أَعلَنَ انقِيَادَهُ لِأَمرِ رَبِّهِ، وَمَضَى إِبرَاهِيمُ وَمَعَهُ إِسمَاعِيلُ مُستَسلِمَينِ لِأَمرِ اللهِ مُنقَادَينِ لِحُكمِهِ مَعَ عَدَمِ عِلمِهِمَا بِالغَايَةِ وَالحِكمَةِ مِنهُ، فَجَاءَ اللهُ بِالفَرَجِ وَفَدَى إِسمَاعِيلَ مِنَ الذَّبحِ بِذِبحٍ عَظِيمٍ، وَذَلِكَ لَمَّا أَسلَمَا للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

إِنَّ الإسلَامَ للهِ يَعنِي الخُضُوعَ التَّامَّ وَالِانقِيَادَ المُطلَقَ لِأَمرِ اللهِ وَحدَهُ.

المُسلِمُ أَسلَمَ قَلبَهُ وَنَفسَهُ وَجَوَارِحَهُ لِرَبِّهِ، فَلَا اختِيَارَ لَهُ مَعَ أَمرِ سَيِّدِهِ وَمَولَاهُ، بَل هُوَ مُستَسلِمٌ لِحُكمِهِ تَمَامَ التَّسلِيمِ، لَا يُعرِضُ وَلَا يَعتَرِضُ، لَا تَجِدُ فِي صَدرِهِ حَرَجًا وَضِيقًا، بَل هُوَ مُنشَرِحُ الصَّدرِ لِحُكمِ رَبِّ العَالَمِينَ.

قَالَ تَعَالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ‌حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].

لَكِن لَعَلَّكَ تَسأَلُ: وَلِمَاذَا أُسلِمُ للهِ وَأَستَسلِمُ لِأَمرِهِ وَحُكمِهِ وَحدَهُ دُونَ مَن سِوَاهُ؟

إِنَّ الإسلَامَ للهِ أَصلُهُ الَّذِي لَا يَقُومُ إِلَّا بِهِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ، فَمَن آمَنَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ، لَزِمَهُ أَن يَخضَعَ وَيَنقَادَ لَهُ دُونَ مَن سِوَاهُ، لِذَا قَالَ اللهُ في إِبرَاهِيمَ الحَنِيفِ المُسلِمِ عَلَيهِ السَّلَامُ: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ ‌أَسْلِمْ قَالَ ‌أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣٠-١٣١].

فَلِأَنَّ اللهَ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَهُم وَيَملِكُهُم وَيُدَبِّرُ أَمرَهُم وَيُرَبِّيهِم بِنِعَمِهِ، كُلُّ هَذَا لَهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَانَ مَقْتضَى ذَلِكَ الإِسْلَامَ وَالِاسْتِسْلَامَ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ دُونَ مَن سِوَاهُ.

قَالَ تَعَالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ‌اللَّهُ ‌رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر: ٦١-٦٦].

نُسلِمُ للهِ وَحدَهُ لِأَنَّهُ صَاحِبُ النِّعَمِ، مَا مِن نِعمَةٍ إِلَّا هِيَ مِنهُ وَحدَهُ، لَهُ الفَضلُ أَوَّلًا وَآخِرًا.

قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النَّحلِ بَعدَ أَن عَدَّدَ كَثِيرًا مِن نِعَمِهِ عَلَينَا: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ ‌تُسْلِمُونَ [النحل: ٨١].

نُسلِمُ للهِ وَحدَهُ لِأَنَّهُ الإِلَهُ الحَقُّ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، ذُو الكَمَالِ وَالجَلَالِ وَالإِكرَامِ، وَكُلُّ مَتبُوعٍ أَو نِدٍّ اتَّخَذَهُ النَّاسُ دُونَ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. قَالَ تَعَالَى: فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ ‌أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج: ٣٤].

نُسلِمُ لِأَمرِ اللهِ وَحُكمِهِ لِأَنَّهُ الحَكِيمُ العَلِيمُ، تَمَّت كَلِمَاتُهُ صِدقًا وَعَدلًا، تَقَدَّسَ عَنِ الظُّلمِ وَالعَبَثِ، يُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ الخَبَائِثَ، لَا يُكَلِّفُ النَّاسَ إِلَّا وُسعَهُم، دِينُهُ كُلُّهُ يُسرٌ وَخَيرٌ.

عبادَ اللهِ:

كَم نَرَى أُنَاسًا يَنتَقُونَ مِن أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ مَا يُحَقِّقُ مَصَالِحَهُمُ الدُّنيَوِيَّةَ، أَو يَقبَلُونَ مِنهُ مَا لَا يُكَلِّفُهُم شَيئًا، فَإِذَا عَارَضَ حُكمُ اللهِ أَهوَاءَهُمُ الضَّالَّةَ أَعرَضُوا وَرَدُّوا حُكمَ اللهِ، إِمَّا مُجَاهِرِينَ غَيرَ مُستَحِينَ، وإمّا مُتَحَايِلِينَ مُخَادِعِينَ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُم إِمَّا عَلَى شَكٍّ مِن دِينِ اللهِ، أَو فِي قُلُوبِهِم نِفَاقٌ، أَو يَظُنُّونَ ظُلمَ اللهِ بِحُكمِهِ، وَإِنَّمَا هُمُ الظَّالِمُونَ حَقًّا.

إنّ الله حَدَّثَنَا عَنْ أُولَئِكَ الـمُعْتَرِضِينَ عَلَى حُكْمِه الذِينَ لَمْ يُسْلِّمُوا لأمرِه، فَقَالَ: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ ‌يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٤٦-٥١].

إِنَّ عَلَامَةَ الإِسلَامِ الحَقِّ الِاستِسلَامُ التَّامُّ، وَلَا تَثبُتُ قَدَمُ الإِسلَامِ إِلَّا بِالتَّسلِيمِ وَالِاستِسلَامِ، وَتِلكُمْ هِيَ العُروَةُ الوُثقَى الَّتِي مَن تَمَسَّكَ بِهَا نَجَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

قَالَ تَعَالى: وَمَنْ ‌يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان: ٢٢].

بَارَكَ اللهُ لِي ولكمْ في القُرَآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَني وَإيَّاكمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

قَالَ سُبْحَانَهُ: بَلَى ‌مَنْ ‌أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١٢].

إِنَّ أَعظَمَ مَا يَدعُو المُؤمِنَ لِلِاستِسلَامِ لِحُكمِ اللهِ يَقِينُهُ أَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ عَبدًا أَسلَمَ وَجهَهُ وَقَلبَهُ لِأَمرِهِ، لِأَنَّ اللهَ يَحفَظُ مَن حَفِظَ أَمرَهُ وَشَرعَهُ.

إِنَّ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِنَّمَا استَسلَمَ لِأَمرِ اللهِ -مَعَ أَنَّ هذا الأمرَ كان فِي ظَاهِرِهِ المَوتُ والهَلَكَةُ- لِأَنَّهُ يُوقِنُ أَنَّ اللهَ الَّذِي أَمَرَ أَبَاهُ يَومًا أَن يَتـرُكَهُ وَأُمَّهُ حِينَ كَانَ رَضِيعًا فِي مَكَّةَ، حَيثُ لَا إِنسَانَ وَلَا حَيَاةَ، مَا ضَيَّعَهُم لَمَّا أَسلَمُوا وَاستَجَابُوا لِأَمرِهِ، بَل نَزَلَ المَلَكُ لِيُفَجِّرَ المَاءَ مِن تَحتِ قَدَمَيهِ قَائِلًا لِهَاجَرَ أُمِّ إِسمَاعِيلَ: «لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ»صحيح البخاري (٣٣٦٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.  (٥).

سَلِ اليَومَ كَثِيرًا مِن أَبنَاءِ المُسلِمِينَ: لِمَاذَا أَعرَضتُم عَنِ الِانقِيَادِ لِحُكمِ اللهِ؟ تَجِدْ جَوابَ كثيرٍ منهم أنَّهم فعلوا ذلك خَشيَةَ الضَّيعَةِ، فَهَذَا يَضَعُ مَالَهُ بِالبَنكِ الرِّبَوِيِّ حَتَّى يَكبُرَ مَالُهُ وَلَا يَضِيعَ، وَهَذَا يَعمَلُ بِعَمَلٍ مُحَرَّمٍ لِأَنَّهُ يَخشَى الفَقرَ، وَهَذِهِ تُظهِرُ مَفَاتِنَهَا وَلَا تَلبَسُ حِجَابَهَا خَشيَةَ العُنُوسَةِ، وَهَذَا يُداهِنُ الغَربَ وَيُحَسِّنُ تَشرِيعَاتِهِم وَأَجِندَاتِهِم خَشيَةً مِن سَخَطِهِم.

إِلَى هَؤُلَاءِ جَمِيعًا قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى يُسْتَوْفَى رِزْقُهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ». مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٣٣٢)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٦٦)  (٦).

لَقَد سَادَ الصَّحَابَةُ الدُّنيَا بِإِيمَانِهِمُ الَّذِي جَعَلَهُم مُسلِمِينَ حَقًّا، فَإِنَّهُم لَمَّا أَحَاطَت بِهِم أَحزَابُ الكُفرِ حَولَ المَدِينَةِ كَانُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا ‌وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢].

كَانَت تَنزِلُ آيَاتُ الأَحكامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُقبِلُونَ عَلَيهَا طَائِعِينَ مُستَسلِمِينَ لَا يُجَادِلُونَ وَلَا يَنتَقُونَ وَلَا يَتَحَيَّرُونَ، بَل يَقُولُونَ: سَمِعنَا وَأَطَعنَا.

يَقُولُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا» صحيح مسلم (٧٧١)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.  (٧).

هَكَذَا عُنوَانُ حَيَاةِ المُسلِمِ: «وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا».

اللهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: