خطبة (القوي القدير)

خطبة (القوي القدير)

عنوان الخطبة: القوي القدير

عناصر الخطبة:

١- قدرة الله مطلقة

٢- مشاهد من قدرة الله وقوته

٣- أثر الإيمان بذلك

٤- الله أقدر عليك مِن قدرتك على الخلق

الحَمدُ لِلَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ، يَحكُمُ مَا يُرِيدُ، وَكُلُّ شَيءٍ عَلَيهِ يَسِيرٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عباد الله:

حَكَى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَن رَجُلٍ مِمَّن كَانَ قَبلَنَا، فَقَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا! فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ! فَغَفَرَ لَهُ» صحيح البخاري (٣٤٨١)، وصحيح مسلم (٢٧٥٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١).

يَا عَبدَ اللَّهِ! لَقَد قَالَ اللَّهُ يَسألُكَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].

إِنَّ مِنَ العِلمِ الوَاجِبِ أَن تَعلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ القَوِيُّ، القَدِيرُ، المُقتَدِرُ، ذُو القُوَّةِ المَتِينُ، لَهُ القُوَّةُ جَمِيعًا، بَل إِنَّ مِن غَايَاتِ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَتَدبِيرِ اللَّهِ أَمرَ خَلقِهِ أَن نَعلَمَ عَظِيمَ قُدرَتِهِ وَعَظِيمَ عِلمِهِ.

قَالَ سُبحَانَهُ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢].

إِنَّ قُدرَةَ اللَّهِ مُطلَقَةٌ، لَا حَدَّ لَهَا وَلَا مُنتَهَى، فَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأْ لَم يَكُن، إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ.

قَالَ رَبُّنَا: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ ‌فَيَكُونُ [النحل: ٤٠].

وقَالَ سُبحَانَهُ: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‌مُقْتَدِرًا [الكهف: ٤٥].

وقَالَ سُبحَانَهُ: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ‌أَنَّ ‌الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [البقرة: ١٦٥].

وَمِن عَظِيمِ قُدرَتِهِ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ عَلَيهِ هَيِّنٌ يَسِيرٌ، لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ، وَلَا يُثقِلُهُ شَيءٌ، وَلَا يَلحَقُهُ تَعَبٌ أَو نَصَبٌ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى عَونِ أَحَدٍ.

قَالَ تَعَالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ ‌لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].

خَلَقَ سُبحَانَهُ بِقُدرَتِهِ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ وَمَا فِيهَا وَمَا عَلَيهَا، وَالأَرَضِينَ السَّبعَ وَمَا فِيهَا وَمَا عَلَيهَا، وَمَا مَسَّهُ مِن نَصَبٍ وَلَا تَعَبٍ، وَهُوَ سُبحَانَهُ يحفظُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَلَا يُثقِلُهُ ذَلِكَ.

قَالَ جَلَّ وَعَلَا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ‌وَمَا ‌مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].

وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ ‌حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].

لَقَد عَجِبَ الكُفَّارُ مِنَ البَعثِ بَعدَ المَوتِ، وَظَنُّوا أَنَّهُم إِن صَارُوا تُرَابًا فَأَنَّى لَهُمُ الرُّجعَى؟ فَأَكَذَبَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَلَم يَعْيَ بِخَلقِهِنَّ قَادِرٌ عَلَى إِحيَائِهِم، وَأَنَّ الَّذِي خَلَقَهُم أَوَّلَ مَرَّةٍ مِن تُرَابٍ قَادِرٌ عَلَى أَن يُعِيدَهُم مَرَّةً أُخرَى.

قَالَ تَعَالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ [الأحقاف: ٣٣].

بَل إِنَّهُ سُبحَانَهُ يُعِيدُ الإِنسَانَ كَمَا كَانَ، حَتَّى أَطرَافَ أَصَابِعِهِ، كَمَا قَالَ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * ‌بَلَى ‌قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة: ٣-٤].

إِنَّ عَقلَ الإِنسَانِ لَا يُمكِنُهُ أَن يُحِيطَ بِقُدرَةِ اللَّهِ البَاهِرَةِ، وَلَكَ أَن تُبْصِرَ بِقَلبِكَ ذَاكَ المَشهَدَ عِندَمَا يَبعَثُ اللَّهُ الخَلَائِقَ يَومَ القِيَامَةِ، حَتَّى الطَّيرَ وَالدَّوَابَّ وَالهَوَامَّ، يَبعَثُهُم وَيَقضِي بَينَهُم، كُلُّ هَذَا كَلَمحِ البَصَرِ، كَنَفسٍ وَاحِدَةٍ.

قَالَ تَعَالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ ‌عَلَى ‌جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩].

وَقَالَ سُبحَانَهُ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا ‌كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨].

عبادَ اللهِ:

إِنَّ المُؤمِنَ إِذَا أَيقَنَ بِعَظِيمِ قُدرَةِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ عَلَّقَ قَلبَهُ بِهِ وَحدَهُ، فَإِنَّ الأَمرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَهُوَ إِذَا شَاءَ شَيئًا كَانَ.

قَالَ اللَّهُ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ [الأنعام: ١٧].

قَد تَرَى الأَمرَ بِمِقيَاسِ البَشَرِ بَعِيدَ المَنَالِ، وَقَد تَفقِدُ الأَسبَابَ، إِلَّا أَنَّ المُؤمِنَ لَا يَيأَسُ وَرَبُّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، يُصِيبُكَ بِالخَيرِ بِقُوَّتِهِ، وَيُعِيذُكَ مِنَ السُّوءِ بِقُدرَتِهِ.

هَذَا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ اشتَعَلَ رَأسُهُ شَيبًا، وَامرَأَتُهُ عَاقِرٌ، وَبَشَّرَهُ اللَّهُ بِالوَلَدِ الرَّضِيِّ، فَقَالَ مُتَعَجِّبًا: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ ‌عَلَيَّ ‌هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٨-٩].

وَهَذَا عُثمَانُ بنُ أَبِي العَاصِ يَشكُو عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا لَا يُفَارِقُهُ، فَيَنصَحُهُ ﷺ قَائِلًا: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» صحيح مسلم (٢٢٠٢)، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه. (٢)، قَالَ عُثمَانُ: «فَفَعَلتُ ذَلِكَ، فَأَذهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ بِي، فَلَم أَزَل آمُرُ بِهِ أَهلِي وَغَيرَهُم» سنن أبي داود (٣٨٩١)، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه. (٣).

المُؤمِنُ بِقُوَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مُطمَئِنٌّ إِلَى وَعدِهِ سُبحَانَهُ، فَإِنَّهُ إِن وَعَدَ وَفَّى، لَا يَحُولُ أَحَدٌ بَينَهُ وَبَينَ مَشِيئَتِهِ، فَإِن وَعَدَكَ رِزقًا فَثِق بِهِ، فَإِنَّهُ القَائِلُ: إِنَّ اللَّهَ ‌هُوَ ‌الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].

وَإِن وَعَدَكَ نَجَاةً وَنَصرًا فَثِق بِهِ، فَهُوَ القَائِلُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ ‌لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩].

وَإِن ظَنَنتَ أَنَّ وَعدَهُ بِالنَّصرِ تَخَلَّفَ، فَاعلَم أَنَّهُ مَا أَخلَفَكَ الوَعدَ، وَإِنَّمَا ضَيَّعَ العَبدُ الشَّرطَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ‌وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٤٠].

إِنَّ المُؤمِنَ إِذَا أَيقَنَ بِعَظِيمِ قُوَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ أَثمَرَ فِي قَلبِهِ الخَوفَ وَالرَّهبَةَ وَالخَشيَةَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي أَحَاطَ بِجَمِيعِ خَلقِهِ، فَإِذَا تَوَعَّدَ عَبدًا، فَمَن ذَا الَّذِي يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ إِنفَاذِ وَعِيدِهِ؟

قَالَ سُبحَانَهُ: ‌قُلْ ‌هُوَ ‌الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥].

كَم كَانَ عَلَى الأَرضِ مِن طُغَاةٍ وَأُمَمٍ ظَالِمَةٍ، قَالُوا يَومًا: مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ فَأَمهَلَهُمُ اللَّهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا اشتَدَّ غَضَبُهُ أَهلَكَهُم، وَمَا كَانَ لَهُم مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.

قَالَ عزّ وجلّ: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ ‌قَوِيٌّ ‌شَدِيدُ الْعِقَابِ [غافر: ٢١-٢٢].

إنَّ اللَّهَ القَوِيَّ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَلَا قُدرَةَ لِعَبدٍ عَلَى شَيءٍ إِلَّا بِعَونِهِ، لِذَلِكَ تَبَرَّأْ إِلَى اللَّهِ مِن حَولِكَ وَقُوَّتِكَ، وَاعلَم أَنَّهُ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

لَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ يَومًا: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»صحيح البخاري (٤٢٠٥)، وصحيح مسلم (٢٧٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. (٤).

إِنَّهَا كَنزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ استِسلَامٍ وَتَفوِيضٍ وَاعتِرَافٍ بِالعَجزِ، وَأَنَّ العَبدَ لَا يَملِكُ مَعَ اللَّهِ شَيئًا.

أَتَظُنُّ أَنَّكَ تَقُومُ بِنَفسِكَ؟ لَا وَاللَّهِ، بَل وَلَا قُوَّةَ لَكَ عَلَى أَن تَطْعَمَ لُقمَةً إِلَّا بِقُوَّتِهِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» جامع الترمذي (٣٤٥٨)، من حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (١٩٨٩). (٥).

لَقَد عَلَّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ فِي دُعَاءِ الِاستِخَارَةِ أَن نَستَفتِحَهُ قَائِلِينَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ» صحيح البخاري (٦٣٨٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٦).

فَيَا عَبدَ اللَّهِ! استَعِذ بِاللَّهِ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ، وَاستَعِن بِاللَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ كَي يَرزُقَكَ قُوَّةً لَكَ عَلَى مَا يُحِبُّ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

فِي ذَاتِ يَومٍ كَانَ أَبُو مَسعُودٍ البَدرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ يَضرِبُ غُلَامًا لَهُ بِالسَّوطِ، قَالَ: فَسَمِعتُ صَوتًا مِن خَلفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ!»، فَلَم أَفهَمِ الصَّوتَ مِنَ الغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ! اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ!»، قَالَ: فَأَلقَيتُ السَّوطَ مِن يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ!»، قَالَ: فَقُلتُ: لَا أَضرِبُ مَملُوكًا بَعدَهُ أَبَدًا. صحيح مسلم (١٦٥٩)، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. (٧).

أَلَا مَا أَعظَمَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ لِكُلِّ مَن غَرَّتهُ قُوَّتُهُ فَطَغَى وَبَغَى وَاعتَدَى عَلَى الضُّعَفَاءِ! كَمَا كَانَت سِيرَةُ أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ أَن يَأكُلَ القَوِيُّ مِنهُمُ الضَّعِيفَ، فمضمون هذه الوصيَّةِ أَن تَعلَمَ عَظِيمَ قُدرَةِ اللَّهِ عَلَيكَ فَتَخشَاهُ وَتَمنَعَ نَفسَكَ مِنَ الظُّلمِ وَالعُدوَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَقدَرُ وَأَقوَى عَلَيكَ مِن قُوَّتِكَ عَلَى الخَلقِ.

اللَّهُمَّ انصُرِ الإِسلَامَ وَأَعِزَّ المُسلِمِينَ، وَأَهلِكِ الكَفَرَةَ المُجرِمِينَ، اللَّهُمَّ وَأَنزِلِ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِكَ، وَنَجِّ عِبَادَكَ المُستَضعَفِينَ، وَارفَع رَايَةَ الدِّينِ بِقُوَّتِكَ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: