خطبة (كيف نُقلَت إلينا السُّنة؟)

خطبة (كيف نُقلَت إلينا السُّنة؟)

عنوان الخطبة: كيف نُقلَت إلينا السُّنة؟

عناصر الخطبة:

١- السنة وحي من الله

٢- كيف حفظ الله السنة

٣- اختصاص الأمة بالإسناد

٤- مرحلة التدوين والتصنيف

 

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي سَنَّ الدِّينَ وَشَرَعَهُ، وَأَنزَلَ الذِّكرَ وَتَكَفَّلَ بِحِفظِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

فِي ذَاتِ يَومٍ قَالَ يَعلَى بنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: «أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيهِ!»، فَبَينَمَا النَّبِيُّ ﷺ في طريقه للعمرة، إذ سأله رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحرَمَ بِعُمرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ (أي مكثر منه)، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ إِلَى يَعلَى، فَجَاءَ يَعلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوبٌ قَد أُظِلَّ بِهِ، فَأَدخَلَ رَأسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحمَرُّ الوَجهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ» صحيح البخاري (١٥٣٦)، وصحيح مسلم (١١٨٠)، من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه. (١).

لَقَد أَرَادَ يَعلَى بنُ أُمَيَّةَ أَن يَرَى بِعَينَيهِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَنزِلُ عَلَيهِ الوَحيُ، فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُسأَلُ وَيَنتَظِرُ الوَحيَ، ثُمَّ يُجِيبُ بِسُنَّتِهِ ﷺ، وَهَذَا لِأَنَّ سُنَّتَهُ وَحيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

الوَحيَانِ: القُرآنُ وَالسُّنَّةُ، بِهِمَا العِصمَةُ مِنَ الضَّلَالِ وَالشَّقَاءِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا أَبَدًا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا وَعَمِلْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» المستدرك (٣١٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في منزلة السنة (ص١٨). (٢).

وَهُمَا الذِّكرُ الَّذِي أَنزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، فَقَالَ: ‌وَأَنْزَلْنَا ‌إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].

وَالذِّكرُ الَّذِي أَنزَلَهُ اللَّهُ، قَد تَكَفَّلَ سُبحَانَهُ بِحِفظِهِ، فَقَالَ: إِنَّا نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا ‌الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].

وَلَعَلَّكَ تَسأَلُ: كَيفَ حَفِظَ اللَّهُ لَنَا سُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ؟

نبدأُ مِن عندِ تِلكَ الآيَاتِ القَطعِيَّةِ، الآمِرَةِ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَاعَةً مُطلَقَةً، فَقَد قَالَ اللَّهُ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ ‌وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور: ٥٤]، وَأَنَّ مَا يَقُولُهُ وَحيٌ مِنَ اللَّهِ، القَائِلِ فيه: ‌وَمَا ‌يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣-٤].

وَلِأَجلِ ذَلِكَ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ أَصحَابَهُ عَلَى سَمَاعِ سُنَّتِهِ وَضَبطِهَا وَتَبلِيغِهَا لِلأُمَّةِ مِن بَعدِهِ، فَقَامَ فِي أَصحَابِهِ خَطِيبًا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، ثُمَّ قَالَ لَهُم: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» صحيح البخاري (١٧٤١)، وصحيح مسلم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (٣).

وَوَعَدَ مَن حَمَلَ عَنهُ سُنَّتَهُ وَبَلَّغَهَا بِالنَّضَارَةِ، فَقَالَ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» سنن أبي داود (٣٦٦٠)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٠٤). (٤).

وَحَثَّهُم عَلَى حِفظِهَا، وَوَعَدَهُم مَعُونَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ يَومًا: «إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ»، فَبَسَطَ أَبُو هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ- نَمِرَةً عَلَيهِ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَالَ أَبُو هُرَيرَةُ: «جَمَعتُهَا إِلَى صَدرِي، فَمَا نَسِيتُ مِن مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلكَ مِن شَيءٍ» صحيح البخاري (٢٠٤٧)، وصحيح مسلم (٢٤٩٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٥).

وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَعظَمَ التَّحذِيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلَيهِ، فَقَالَ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» صحيح البخاري (١٢٩١)، وصحيح مسلم (٤)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. (٦).

فَقَامَ الصَّحَابَةُ -رِضوَانُ اللَّهِ عَلَيهِم- بِمُهِمَّةِ حِفظِ السُّنَّةِ وَضَبطِهَا خَيرَ قِيَامٍ، فَكَانَت أَعيُنُهُم عَلَيهِ، تَضبِطُ أَقوَالَهُ وَأَفعَالَهُ وَهَديَهُ فِي كُلِّ شَيءٍ، مِنهُم مَن يَحفَظُ ذَلِكَ فِي صَدرِهِ، وَمِنهُم مَن يَكتُبُ هَذَا بِقَلَمِهِ.

فَهَذَا أَبُو هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ- يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» صحيح البخاري (١١٣). (٧).

لَقَد حَرَصَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا عَلَى كِتَابَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: «كُنتُ أَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفظَهُ، فَنَهَتنِي قُرَيشٌ وَقَالُوا: أَتَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسمَعُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا؟! فَأَمسَكتُ عَنِ الكِتَابِ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَومَأَ بِأُصبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ!» سنن أبي داود (٣٦٤٦)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٣٢). (٨).

وَلَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصحَابَهُ أَنَّهُم سَيَنقُلُونَ عَنهُ هَذَا الدِّينَ إِلَى مَن بَعدَهُم، وَيَنقُلُهُ أُولَئِكَ إِلَى مَن بَعدِهِم، فَقَالَ: «تَسْمَعُونَ، وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ» سنن أبي داود (٣٦٥٩)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٨٤). (٩).

فَنَقَلَ مِئَاتُ الصَّحَابَةِ العِلمَ وَالسُّنَّةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ مِنهُمُ المُكثِرُ وَالمُقِلُّ، فأَكثَرُ الصَّحَابَةِ رِوَايَةً عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَبُو هُرَيرَةَ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَعَائِشَةُ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم.

وَهَكَذَا أَخَذَ الصَّحَابَةُ الحَدِيثَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ جَاءَ التَّابِعُونَ فَأَخَذُوا عَنهُمُ الحَدِيثَ، سَمَاعًا وَكِتَابَةً، فَهَذَا سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ يَقُولُ: «كُنْتُ أَسْمَعُ مِنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- الْحَدِيثَ بِاللَّيْلِ، فَأَكْتُبُهُ»سنن الدرامي (٥١٢). (١٠).

وَهَذَا بَشِيرُ بنُ نَهِيكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: «كُنْتُ أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُفَارِقَهُ، أَتَيْتُهُ بِكِتَابِهِ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» سنن الدرامي (٥١١). (١١).

وَهَذَا مَعرُوفٌ الخَيَّاطِ يَقُولُ: «رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُمِلُّ عَلَى النَّاسِ الْأَحَادِيثَ وَهُمْ يَكْتُبُونَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ» المدخل إلى السنن الكبرى (٧٦٨). (١٢).

وَفِي هَذَا الجِيلِ العَظِيمِ، جِيلِ التَّابِعِينَ، كَثُرَت تِلكَ الصُّحُفُ الَّتِي كَتَبَهَا التَّابِعُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ نَقَلَ التَّابِعُونَ إِلَى مَن بَعدَهُم مَا حَفِظُوهُ مِنَ السُّنَّةِ في صُدُورِهِم أو كَتبوه في صُحُفِهِم عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَكَانَتِ السُّنَّةُ تُنقَلُ بِالإِسنَادِ، أَخَذَهَا الصَّحَابَةُ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَخَذَهَا التَّابِعُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ أَخَذَهَا أَتبَاعُ التَّابِعِينَ عَنِ التَّابِعِينَ.

فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعمَةِ، إِذ هَيَّأَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَفذَاذَ العُلَمَاءِ وَجَهَابِذَةَ الحُفَّاظِ، يَحمِلُونَ أَمَانَةَ العِلمِ بِحَقٍّ، وَيُؤَدُّونَهَا بِصِدقٍ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

عِندَمَا تَوَلَّى عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ الخِلَافَةَ، كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكرِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ -وَكَانَ أَمِيرَ المَدِينَةِ يَومَئِذٍ-: «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ سُنَّتِهِ، فَاكْتُبْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ (يعني: زوالَه)، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ» الموطأ (٩٣٦).  (١٣).

وَامتَثَلَ العُلَمَاءُ أَمرَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ، يَقُولُ ابنُ شِهَابٍ الزُّهرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ؛ فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ دَفْتَرًا» جامع بيان العلم وفضله (٤٣٨). (١٤).

ثُمَّ بَعدَ التَّدوِينِ جَاءَت مَرحَلَةُ التَّصنِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّانِي، وَكَانَ المُصَنِّفُونَ فِي هَذِهِ الكُتُبِ يَجمَعُونَ الأَحَادِيثَ بِأَسَانِيدِهَا حَتَّى لَا تَضِيعَ السُّنَّةُ، فَلَمَّا ظَهَرَ فِي الأُمَّةِ أَهلُ الأَهوَاءِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وضعَ أَهلُ العِلمِ القَوَاعِدَ الَّتِي تُمَيِّزُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ من غَيرِهِ، وَوَضَعُوا لَهُ شُرُوطًا، وفتَّشوا عَن أَحوَالِ الرُّوَاةِ، وَوَضَعُوا عُلُومَ الحَدِيثِ، وَضَبَطُوا قَوَاعِدَ الجَرحِ وَالتَّعدِيلِ لبَيانِ أحوالِ الرُّواة، حَتَّى صَارَ الإِسنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَا يُقبَلُ قَولٌ مَنسُوبٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا إِلَى غَيرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا بِإِسنَادٍ مُتَّصِلٍ صَحِيحٍ مَقبُولٍ، يَتَّصِفُ نَقَلَتُهُ بِالعَدَالَةِ وَالضَّبطِ.

قال مُحَمَّدُ بن سِيرِينَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»مقدمة صحيح مسلم (ص١٤). (١٥).

وقال عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»مقدمة صحيح مسلم (ص١٥). (١٦).

لَقَد قَالَ أَحَدُ أَشَدِّ أَعدَاءِ الإِسلَامِ مِنَ المُستَشرِقِينَ يَومًا: «المُسلِمُونَ مُحِقُّونَ فِي الفَخرِ بِعِلمِ حَدِيثِهِم»، وَصَدَقَ فِيمَا قَالَ، فَلَا تُوجَدُ أُمَّةٌ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ اعتَنَت بِأَقوَالِ نَبِيِّهَا وَأَفعَالِهِ، حَتَّى تَبَسُّمِهِ وَبُكَائِهِ وَضَحِكِهِ وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، بَل وَأَسمَاءِ دَوَابِّهِ ﷺ، مِثلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، جِيلًا بَعدَ جِيلٍ، وَنَقَلُوا كُلَّ ذَلِكَ بِالأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ المَحفُوظَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالمَرقُومَةِ فِي المُصَنَّفَاتِ، ثُمَّ لَم يَكتَفُوا بِالنَّقلِ بِالإِسنَادِ، بَل مَحَّصُوهَا وَدَقَّقُوا في كُلِّ حَرفٍ مِنهَا، وَوَضَعُوا لِذَلِكَ القَوَاعِدَ العِلميَّةَ والعَقلِيَّةَ الصَّارِمَةَ، صِيَانَةً لِلدِّينِ مِنَ الكَذِبِ وَالخَطَأِ، فَاللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ، حَفِظتَ لَنَا دِينَنَا بِعِزَّتِكَ وَرَحمَتِكَ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَن عُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَجَزَاهُم عَنَّا خَيرَ الجَزَاءِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُرْ لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصْرًا وفرَجًا قريبًا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: