عنوان الخطبة: قبل أن تُنهي حياتك! .. الانتحار: الداء والدواء
عناصر الخطبة:
١- الانتحار من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب
٢- الدواء الناجع قبل الانتحار
٣- دور الأسرة والمجتمع
الحَمدُ لِلَّهِ القَرِيبِ المُجِيبِ، عَمَّ جُودُهُ أَهلَ الأَرضِ والسَّماءِ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالفَضلِ والعَطاءِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمّا بَعدُ، فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَراقِبُوهُ فِي السِّرِّ والنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبدَ الله:
كَم مَرَّةً حَمِدتَ اللهَ عَلَى نِعمَةِ الحَياةِ؟
كانَ نَبِيُّنا ﷺ إِذا استَيقَظَ مِن نَومِهِ يَقُومُ حامِدًا لِلَّهِ قائِلًا: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» صحيح البخاري (٦٣١٢)، من حديث حذيفة، وصحيح مسلم (١١٣)، من حديث البراء رضي الله عنهما. (١).
إِنَّ نِعمَةَ الحَياةِ عَظِيمَةٌ، امتَنَّ اللهُ بِها عَلَينا فَقالَ: وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ [الحج: ٦٦]، وَلِأَجلِ ذَلِكَ كانَ إِحياءُ النُّفُوسِ مِن أَحسَنِ الأَعمالِ، وَإِزهاقُها مِن أَكبَرِ الكَبائِرِ، قالَ سُبحانَهُ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: ٣٢]، وَشَرَعَ اللهُ القِصاصَ مِنَ القاتِلِ العَمدِ؛ لِتَبقَى حَياةُ النّاسِ، فَقالَ: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩].
وَرُغمَ ذَلِكَ كُلِّهِ تَضعُفُ نُفُوسُ بَعضِ النّاسِ وَتَنهَزِمُ إِراداتُهُم، فَيَعمِدُونَ إِلَى تِلكَ النِّعمَةِ -نِعمَةِ الحَياةِ- الَّتِي أَعطاهُمُ اللهُ إِيّاها، فَيُزهِقُونَها بِأَيدِيهِم، يَتَعَجَّلُونَ بِذَلِكَ المَوتَ، واللهُ تَعالَى مِن رَحمَتِهِ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي كِتابِهِ، فَقالَ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، ثُمَّ أَتبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ٢٩-٣٠].
إِنَّ المُنتَحِرَ إِنسانٌ أَثقَلَتهُ الهُمُومُ والأَحزانُ، فَضاقَت عَلَيهِ الأَرضُ بِما رَحُبَت، وَأَحاطَت بِهِ جُيُوشُ الكَربِ والبَلاءِ، وَغَشِيَتهُ سَحائِبُ الفَقدِ والحِرمانِ، وَرَأَى الدُّنيا بِعَينِ المُصِيبَةِ والأَلَمِ، فَأَيِسَ مِنَ الخَيرِ، وَقَنِطَ مِن رَحَماتِ الكَرِيمِ، فَسَوَّلَت لَهُ نَفسُهُ أَن يَتَخَلَّصَ مِنها، وَزَيَّنَ لَهُ الشَّيطانُ الظَّنَّ بِأَنَّهُ بِقَتلِ نَفسِهِ سَيَجِدُ الرّاحَةَ مِن ذاكَ العَناءِ، فَهَل حَقًّا وَجَدَ السَّلامَةَ والهَناءَ؟
لا واللهِ، بَل كانَت تِلكَ الفَعلَةُ سَببًا للشَّقاءِ، إِذ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». صحيح البخاري (٥٧٧٨)، وصحيح مسلم (١٠٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢).
وَكَذَلِكَ يُفعَلُ بِكُلِّ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِطَرِيقَةٍ مّا، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» صحيح البخاري (٦٠٤٦)، وصحيح مسلم (١١٠)، من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه. (٣).
أَلا ما أَعظَمَ هَذا العِقابَ! أَن يَظَلَّ المُنتَحِرُ يَقتُلُ نَفسَهُ بِالطَّرِيقَةِ الأَلِيمَةِ نَفسِها، فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، مُحَرَّمًا عَلَيهِ دُخُولُ الجَنَّةِ.
يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» صحيح البخاري (٣٤٦٣)، وصحيح مسلم (١١٣)، من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه. (٤).
عبادَ الله:
إِنَّنا فِي عَصرِ الحَياةِ المادِّيَّةِ القاسِيَةِ، وَتَفَكُّكِ الرَّوابِطِ الأُسرِيَّةِ، وَضَعفِ الصَّلابَةِ الإِيمانِيَّةِ، وانتِشارِ الهَشاشَةِ النَّفسِيَّةِ، بِتنا نَسمَعُ كَثِيرًا مِن قِصَصِ المُنتَحِرِينَ، وَصارَت تُبَثُّ مَقاطِعُ جَرِيمَتِهِم عَلَى مَرأًى وَمَسمَعٍ مِنَ النّاسِ، وَبِتنا نَسمَعُ كَلِماتِ الرِّثاءِ لَهُم، والتَّعاطُفَ مَعَ أَفعالِهِم، ووَصفَهُم بأنَّهُم مَحضُ ضَحايا لا يَستَحِقُّونَ اللَّومَ والعِتابَ، فَتَعالَوا لِنَنظُرَ كَيفَ داوَى الشَّرعُ ذَلِكَ الدّاءَ.
ابتِداءً، يَجِبُ عَلَى المُؤمِنِ أَن يَعلَمَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ الإِنسَ والجِنَّ ليَعبُدوه، وَأَنَّهُ يَبتَلِيهِم بِالخَيرِ والشَّرِّ، بِالسَّرّاءِ والضَّرّاءِ، لِيَظهَرَ عِلمُه فِيهِم، وَمَن مِّنهُم يَكُونُ عَبدًا لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حالٍ، فَلا تَحمِلُهُ السَّرّاءُ عَلَى الطُّغيانِ والبَطَرِ، وَلا تَحمِلُهُ الضَّرّاءُ عَلَى اليَأسِ والضَّجَرِ، بَل هُوَ شاكِرٌ صابِرٌ.
والمُؤمِنُ يَعلَمُ أَنَّ الدُّنيا ليسَت دارَ النَّعِيم، بل دارُ الِامتِحانِ والبَلاءِ، وَلِذا قالَ تعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤]، أَي: في مَشَقَّةٍ ونَصَب، وَهَكَذا الإِنسانُ لا تَصفُو لَهُ الدُّنيا، فاليَومَ غِنًى وَغَدًا فَقرٌ، واليَومَ صِحَّةٌ وَغَدًا سَقَمٌ، واليَومَ أُنسٌ واجتِماعٌ وَغَدًا وَحشَةٌ وَفُرقَةٌ!
لَقَد قال جِبرِيلُ يَومًا للنَّبِيِّ ﷺ: «يَا مُحَمَّدُ! عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ» المعجم الأوسط (٤٢٧٨)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٣١) (٥).
وَمِن صِفاتِ الإِنسانِ النَّفسِيَّةِ عِندَ الشِّدَّةِ والبَلاءِ: الهَلَعُ والجَزَعُ واليَأسُ والقُنُوطُ، كَما قالَ سُبحانَهُ: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
إِلّا أَنَّ المُؤمِنَ إِنسانٌ آخَرُ، قَد صَنَعَهُ الإِيمانُ بِاللهِ صِناعَةً تَجعَلُهُ صابِرًا بِاللهِ وَلِلَّهِ، قائِمًا بِحَقِّهِ مَهما اشتَدَّتِ الكُرُوبُ، مُستَبشِرًا بِفَرَجِهِ مَهما تَكاثَرَتِ الآلامُ والخُطُوبُ.
المُؤمِنُ لا يَيأَسُ مِن رَحمَةِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ اللهَ وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَأَنَّهُ يَبتَلِي عِبادَهُ المُؤمِنِينَ بِما فِي وُسعِهِم؛ لِيُهَذِّبَهُم وَيُمَحِّصَهُم لا لِيُهلِكَهُم، وَيَمنَعُهُم؛ رَحمَةً وَلُطفًا لا عَبَثًا أَو بُخلًا، بَل كُلُّ شَيءٍ وَفقَ حِكمَتِهِ الباهِرَةِ وَبِرَحمَتِهِ الواسِعَةِ.
لا يَيأَسُ المُؤمِنُ؛ لِأَنَّهُ يُؤمِنُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الواسِعُ، واسِعُ العِلمِ، واسِعُ الفَضلِ، واسِعُ الرَّحمَةِ، فَإِن ضاقَت بِهِ الدُّنيا فِي مَوضِعٍ فَعِندَ اللهِ الرُّحبُ والسَّعَةُ.
يَقرَأُ قَولَهُ تَعالَى فِي شَأنِ الطَّلاقِ: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠]، فِيَستَبشِرُ رُغمَ آلامِ الفِراقِ، وَيَعلَمُ أَنَّ رِزقَ اللهِ وَفَضلَهُ واسِعٌ، فَيَنهَضُ مِن كَبوَتِهِ، وَيُزِيحُ اليَأسَ مِن طَرِيقِهِ، وَيُقدِمُ عَلَى الحَياةِ، فَيَرَى فِيها نُورًا بَينَ الظَّلامِ، وَأَمَلًا وَسَطَ الآلامِ.
قَد يَفقِدُ مالًا أَو وَظِيفَةً وَرُبَّما عَزِيزًا عَلَيهِ، يَفقِدُ وَلَدَهُ أَو والِدَيهِ، فَيَحزَنُ لِأَنَّهُ بَشَرٌ، لَكِنَّهُ لا يَجزَعُ مِن قَضاءِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤمِنُ أَنَّ عِندَ اللهِ العِوَضَ، وَأَنَّ بَعدَ المَوتِ لِقاءً، وَأَنَّ اللهَ يُوَفِّي الصّابِرِينَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ.
لَقَد فَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَدَهُ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَبَكَى وَقالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» سنن ابن ماجه (١٥٨٩)، من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٣٢). (٦).
المُؤمِنُ لا يَيأَسُ مِن فَرَجِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، لِأَنَّ رَبَّهُ هُوَ الوَهّابُ المُحسِنُ، سَبَقَت رَحمَتُهُ غَضَبَهُ، خَزائِنُهُ مَلأَى لا تَنفَدُ، يَدُهُ سَحّاءُ الليلَ والنَّهارَ لا يَنقُصُها العَطاءُ، فَهُوَ القائِلُ سُبحانَهُ فِي الحَدِيثِ الإِلَهِيِّ: «يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» صحيح مسلم (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه. (٧).
كَيفَ نَيأَسُ؟ واللهُ هُوَ القَرِيبُ المُجِيبُ، لا يُغلِقُ بابَهُ فِي وَجهِ عَبدٍ سَأَلَهُ مُتَضَرِّعًا، يَقُولُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الجود» مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦١٧)، من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/١٦٩). (٨).
كَيفَ يَخِيبُ رَجاءُ عَبدٍ بِرَبٍّ رحِيمٍ حَدَّثَنا عَنهُ نَبِيُّنا ﷺ فَقالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»؟ صحيح البخاري (١١٤٥)، وصحيح مسلم (٧٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٩).
إِنَّ الَّذِي يَيأَسُ مِن رَحمَةِ اللهِ ضالٌّ عَن مَعرِفَةِ اللهِ، ضَلَّ عَن رَحمَتِهِ وَكَرَمِهِ، وَعَظِيمِ يُسرِهِ وَخَيرِهِ، فَحالُهُ كَما قالَ سُبحانَهُ: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦].
ها هُوَ يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلامُ يَفقِدُ يُوسُفَ السِّنِينَ الطِّوالَ، وَمِن بَعدِهِ أَخَوَيهِ، إِلّا أَنَّ أَمَلَهُ بِاللهِ لَم يَنقَطِع فَقالَ: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧].
إِنَّ القُرآنَ كُلَّهُ بَعثٌ لِلحَياةِ والأَمَلِ، وَغَرسٌ لِلسَّكِينَةِ والطُّمَأنِينَةِ، تَقرَأُ فِيهِ قَولَهُ سُبحانَهُ: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: ٧]، فَتُوقِنُ أَنَّ الشِّدَّةَ سَتَزُولُ، وَأَنَّ الهَمَّ يُنجِيكَ مِنهُ فالِقُ الإِصباحِ.
تَقرَأُ قَولَهُ سُبحانَهُ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥-٦]، فَتَفرَحُ أَنَّ اللهَ لَم يُقَدِّر عُسرًا إِلّا جَعَلَ مَعَهُ يُسرَينِ، فَقُم واشكُ إِلَى رَبِّكَ وَحَسبُ، كَحالِ يَعقُوبَ إِذ قالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٨٦].
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيّاكُم بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم فاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن والاهُ، وَبَعدُ:
سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَعرُوفِ فَقالَ لَهُ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ فِي الْأَرْضِ» مسند أحمد (١٥٩٥٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٢٢) (١٠).
ما أَعظَمَ الدِّينَ الَّذِي يَجعَلُ التَّبَسُّمَ فِي وُجُوهِ النّاسِ صَدَقَةً، وَيَجعَلُ إِيناسَ الوَحشانِ صَدَقَةً، دِينُنا دِينُ مَحَبَّةِ المُؤمِنِينَ وَتَرابُطِهِم والإِحسانِ والصِّلَةِ إِلَى الخَلقِ، جَعَلَ صِلَةَ الأَرحامِ والأَقارِبِ مِن أَعظَمِ القُرُباتِ، وَجَعَلَ فِي عِيادَةِ المَرِيضِ أَعظَمَ الدَّرَجاتِ، وَجَعَلَ فِي تَفرِيجِ كُرَبِ النّاسِ فَرَجًا لِصاحِبِهِ مِن كُرَبِ الدُّنيا والآخِرَةِ، فَحَرِيٌّ بِأَصحابِ هَذا الدِّينِ أَن يَكُونُوا جَسَدًا واحِدًا، وَأَلّا يَترُكُوا إِخوانَهُم مِمَّن أَصابَتهُمُ البَأساءُ والضَّرّاءُ فَرِيسَةً لِوَساوِسِ النَّفسِ وَتَقنِيطِ الشَّيطانِ، فَتَفَقَّدُوا أَهلَ المَصائِبِ، واجبُرُوا كَسرَ المَكلُومِينَ، وَنَفِّسُوا لَهُم فِي الأَجَلِ، وافتَحُوا لَهُم مَشارِعَ الحَياةِ.
اللهُمَّ اهدِ قُلُوبَنا، واغفِر ذُنُوبَنا، وَنَفِّس كُرُوبَنا، وَفَرِّج هُمُومَنا وَغُمُومَنا.
اللهُمَّ أَعِنّا وَلا تُعِن عَلَينا، وانصُرنا وَلا تَنصُر عَلَينا، وامكُر لَنا وَلا تَمكُر عَلَينا، وانصُرنا عَلَى مَن بَغَى عَلَينا.
اللهُمَّ آمِنّا فِي أَوطانِنا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنا وَوُلاةَ أُمُورِنا، واجعَل وِلايَتَنا فِيمَن خافَكَ واتَّقاكَ واتَّبَعَ رِضاكَ.
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ.







