خطبة (على خُطى القرامطة)

خطبة (على خُطى القرامطة)

عنوان الخطبة: على خُطى القرامطة.

عناصر الخطبة:

١- التَّحذير من افتراق الأمة

٢- خطورة القرامطة

٣- الحذر من تدليس القرامطة المعاصرين

٤- عوامل وَحدة المسلمين

الحمدُ للهِ الذي تفرَّدَ بالجلالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شريكٌ أو مُعينٌ، وأنزلَ كتابَهُ بالحقِّ فَحَفِظَهُ مِنْ أيدِي العابِثِينَ، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ الطَّيِّبِينَ، وصحابتِهِ الغُرِّ الميامِينَ؛ الذِينَ اصطفاهُم فنصَرَ بِهِمُ الإسلامَ والمسلمينَ، وجعلَ حُبَّهُم مِنْ صَمِيمِ الدِّينِ، وبُغْضَهُمْ علامةً على المنافقينَ.

أمَّا بعدُ، فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

عبادَ اللهِ:

يقولُ العِرباضُ بنُ ساريةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: صَلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ، ثُمَّ أقبلَ علينا، فوَعَظَنا مَوعظةً بليغةً ذَرَفَتْ مِنْها العيونُ ووَجِلَتْ مِنْها القلوبُ، فقالَ قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! كأنَّ هذهِ موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تَعهدُ إلينا؟ قال: «أوصيكُم بتقوى الله والسَّمعِ والطَّاعةِ، وإنْ عَبْدًا حبشيًّا، فإنَّه من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ المَهديِّينَ الرَّاشدينَ، تَمَسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكلَّ بدعَةٍ ضَلالةٌ» سنن أبي داود (٤٦٠٩)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٣٥). (١).

لَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ في خَلْقِهِ أَنْ تُبتَلَى هذه الأمةُ بفتنٍ كقِطَعِ اللَّيلِ المظلمِ، يُميَّزُ بِها الخبيثُ مِنَ الطَّيبِ، والصَّادقُ مِنَ الكاذبِ، ومِنْ أعظمِ مَا حَذَّرَنا مِنْهُ نبيُّنا الكريمُ ﷺ هُوَ التَّفرقُ والانقسامُ، والبُعدُ عَنْ الجادّةِ التي سَلَكَها خلفاؤه الرَّاشدونَ، والرَّعيلُ المهتَدُون.

وَلَقَدْ بيَّن لَنَا النَّبيُّ ﷺ مآلَ هذا الاختلافِ وحَجمَهُ، فقالَ: «إِنَّ بني إسرائيل تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» سنن الترمذي (٢٦٤١)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (٩٤٧٤). (٢).

إخوةَ الإيمانِ:

إنَّ أخطرَ مَا واجَهَتْهُ الأمَّةُ في تاريخِها ليسَ العدوَّ الظاهرَ فحَسْبُ، بَلْ أقوامٌ ظَهَرُوا كخِنجَرٍ يَطعُنُ في خاصرةِ الإسلامِ، لَبِسُوا لباسَهُ ليهدِموا أركانَهُ، مِنهُم مَن حملَ السِّلاحَ تكفيرًا وقتلًا، ومِنهُم مَنْ أنكرَ القدَرَ، ومِنهُم مَنْ عطَّلَ صفاتِ اللهِ وكمالاتِهِ، ومِنهُم مَنْ طَعَنَ فِي الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عَنهُم، ومِنهُم مَنْ غَلَا فِي الصالحينَ أَوْ آلِ البيتِ ودعَاهُم مِنْ دونِ اللهِ تعالى، ومِنهُم مَنْ جَمَعَ ذلكَ فَاجْتَمَعَ فِيهِمُ الشَّرُّ كلُّه.

لقدْ قَامَتْ الفِرَقُ الباطنيَّةُ قديمًا وحديثًا على رَفْضِ الحقِّ، ورَفْضِ إمامَةِ أبِي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عَنْهُما، وافترَوا على كتابِ اللهِ بادِّعاءِ تحريفِه وتبديلِه، وتطاوَلُوا على مَقامِ أمَّهاتِ المؤمنِينَ -رَضِيَ اللهُ عنهنَّ- بالإِفكِ المبينِ، ثمَّ استحلُّوا دماءَ المسلمِينَ وفرَّقُوا جَمَاعَتَهُم.

وكانَتْ مِنهُم فِرقةُ «القرامطةِ» الذينَ سلكُوا هذَا السَّبيلَ؛ فآلَ بِهِمُ الأمرُ فِي القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ إلى العُدوانِ على بيتِ اللهِ الحرامِ، فقتَلوا الحُجَّاجَ فِي صَحنِ الطَّوافِ، ورمَوا جُثَثَهُم فِي بئرِ زمزمَ، ثم اقتلَعُوا الحَجرَ الأسودَ مِنْ مكانِهِ وغَيَّبُوهُ ثنتينِ وعشرينِ سنةً!

وإنَّ لكلِّ قومٍ وارثًا، فرأينا اليومَ مَن يسيرُ على تلكَ الخُطى الباطنيَّةِ؛ غُلوًّا فِي البشرِ بِرَفعِهِم إلى مرتبةِ الرُّبوبيَّةِ، وطَعنًا في عِرضِ النَّبيِّ ﷺ بسبِّ أزواجِهِ، وتكفيرًا لصحابتِهِ الذينَ فَتَحُوا البلادَ وأرشدُوا العبادَ.

لكنَّهم تدثَّرُوا بدِثارٍ جديدٍ، خَدَعُوا بِهِ الجَهَلةَ والطَّغَامَ، فرفَعُوا شِعارَ الجهادِ ومقاومةِ الصِّهْيَونيّةِ، والانتصارِ للقُدسِ وفِلَسْطينَ، يدَّعُونَ أنَّهُم إسلاميُّون، ويُتاجِرُون بآلامِ المستضعفِينَ؛ لتَخْدِيرِ العواطفِ وذَرِّ الرَّمادِ في العيونِ، وقَدْ رَأَى القاصِي والدَّانِي كيفَ وَضَعُوا أيدِيَهُم بأيْدِي الغربِ فِي غَزْوِ بلادِ المسلمِينَ، وغرَسُوا خَناجرَهُمُ المسمومةَ في صدورِ جيرانِهمُ المُسالِمينَ، واستَذْكَرُوا ثاراتِ التَّاريخِ الدَّفِينِ وفتنَه، وحرَّكوا أَذْرُعَهُم وأذنابَهُم للتَّنكيلِ بالمستضعَفِينَ، لَقَدِ امتلَأتْ صُدورهُمْ حِقدًا وحنقًا، وتجرَّدُوا مِنَ الإنسانيةِ فَلَا تَرَى مِنهُم رحمةً ولا رِفقًا.

ثمَّ أدالَ اللهُ الأمورَ عليهِم بعَدْلِهِ وحكمتِهِ، وحقَّقَ فيهِم قولَهُ: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، فسلَّطَ عليهِمْ عدوًّا أشدَّ كفرًا مِنهُم وأكثرَ طُغيانًا، فاستغَاثُوا بمعبودِيهِم يرتَجُونَ التَّأيِيدَ والتَّمكينَ، وتنادَوا يستجْدُون النَّصرَ مِنَ المسلمينَ، لكنَّهُم مَا فَتِئُوا أَنْ تَوجَّهُوا إليهِمْ بِعُدْوانٍ حاقدٍ أثيمٍ، فقاتَلُوهُم أكثرَ مِمَّا يقاتِلُون أعداءَهُمُ الكافرِينَ، واستهدَفُوا البيوتَ والمصالحَ العامَّةَ والمدنيّينَ الآمنينَ.

فكيفَ يَرْجُو النَّصرَ مِنَ اللهِ مَنْ يستغيثُ بغيرِهِ مِنَ المخلوقينَ العاجزينَ؟ واللهُ تعالى يقولُ: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأحقاف: ٢٨]، ويقولُ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: ١٩٧].

وكيفَ يَرجُو النَّصرَ مِنَ اللهِ مَنِ استحقَّ لعنَتَهُ بإيذاءِ رسولِهِ ﷺ فِي زوجاتِهِ، وفِي أصحابِهِ وأحبابِهِ؟ واللهُ تعالى يقولُ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧].

وكيفَ يَرجُو النَّصرَ مَن تَلطَّخَتْ يدُهُ بدماءِ المسلمِينَ فِي بقاعٍ شتّى، وسَفَكَ الدَّمَ الحرامَ وظَلَمَ وتَعدَّى؟ واللهُ تعالى يقولُ: لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ١٣]، ويقولُ: فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: ٣٧].

عبادَ اللهِ:

وَمَعَ وضوحِ حالِ هؤلاءِ القومِ وَجَلَائِهِ لكلِّ ذِي بصيرةٍ، فإنَّ فئامًا مِنَ المسلمِينَ لَا زَالَتْ تُعميهِم أكاذيبُ الانتسابِ لفَاطمةَ وبعلِها وبَنِيهَا -رِضْوانُ اللهِ عليهِمْ وعَلَيْهَا-، وتُصِمُّ آذانَهُم أهازيجُ تحريرِ القدسِ مِن مُـحتَلِّيهَا، وتخدَعُهُم دَعَاوَى محاربةِ الغَربِ فِي تَسْويغ العُدوانِ على دولِ الخليجِ والقاطِنِينَ فِيها.

أَفَنَسِيَ هؤلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ هؤلاءِ الخوَنةَ المجرمِينَ، قَدْ صُنِعُوا على أعيُنِ الغربِ وفي بلادِهِم، وارتمَوا فِي أحضانِ القُوى الخارجيةِ حينَ وافقَ ذلكَ مصالحَهُم، وتآمَرُوا مَعَهُم لغزوِ بلادِ المسلمِينَ وتَفكيكِهِم وإضعافِهِم؟!

وكيفَ يُصَدِّقُ عاقلٌ أنَّ مَنْ قَتَلَ المسلمِينَ فِي بغدادَ ودمشقَ وصنعاءَ وبيروتَ، ويَقصِفُ اليومَ بصواريخِهِ الآمنِينَ في البيوتِ، هُوَ نفسُهُ مَنْ سيحرِّرُ القُدْسَ؟ إنَّ القدسَ لَا يُحَرِّرُها مَنْ يُعادِي فاتِحَها عُمَر، ولا يُطَّهِرها مَنْ يدنِّسُ مساجدَ التَّوحيدِ بالشِّركِ والكفرِ، ولا يَنَالُ شَرَفَ فَتحِها مَن تلطَّخَتْ يَدُهُ وقلبُه بالخُبثِ والغَدرِ!

إنَّ الوعيَ بخطرِ المشروعِ الصَّفَويِّ واجبٌ على المسلمِينَ، والتَّحذيرَ مِنَ الافتتانِ بِهِم ومِنَ التَّعاطُفِ مَعَهُم مُهِمَّةُ الدُّعَاةِ والمؤثِّرِينَ.

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ وَحدَهُ، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ لَا نَبِيَّ بَعدَهُ، وَبَعْدُ:

عبادَ اللهِ:

فِي ظِلِّ هذا العدوانِ الظالمِ، لَا يجوزُ أَنْ يغفُلَ المؤمنونَ عَنْ تربُّصِ العَدوِّ الأكبرِ، والخصمِ الأكفرِ، والأطغى والأَمكرِ، وَهُمُ الصَّهاينةُ اليهودُ وأولياؤهم، الذِينَ يُوقِدُونَ الحروبَ ويُشعِلُونَ القلاقِلَ، ثمَّ يستثمرونَ فِيها لتنفيذِ مشاريعِهمُ التَّوسعيَّةِ، وتحقيقِ مَا افتَرَوهُ مِن نبوءاتِهِمُ التَّوراتيةِ، لَقَدْ مَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].

وإنَّهُ -واللهِ- لَا مُخَلِّصَ لَنَا سِوَى العودةِ إلى حِصنِ الوَحدةِ والإيمانِ، والتَّوبةِ إلى اللهِ مِنْ أسبابِ الفُرْقَةِ والخِذلانِ.

إنَّ الوَحدةَ التِي ينشُدُها الإسلامُ ليستَ مجرَّدَ شعاراتٍ، بَلْ هِيَ بناءٌ يقومُ على أركانٍ لَا يَصِحُّ من غيرها:

أوَّلُها: التمسُّكُ بالكتابِ والسُّنَّةِ، فلا وَحدةَ إلا على الوحيِ الصَّافِي، وصراطِ اللهِ المستقيمِ، قالَ تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣].

وثانِيها: اجتنابُ ما يُغضِبُ اللهَ تعالَى مِنَ البِدَعِ والمحدَثاتِ، ومِنَ المعاصِي والمنكَراتِ: فإنَّ غضبَ اللهِ سبَبٌ لخِذلانِه وتسليطِ الأعداءِ، والبدَعَ سببٌ للفُرقةِ واختلافِ الكلمةِ، ومِعْوَلُ هَدمٍ يُقَوِّضُ وَحدةَ الأمّةِ، والمعاصِي سببٌ للمصائبِ وحِرمانِ التَّوفيقِ، قالَ تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥].

وثالثُها: ائتلافُ القلوبِ ودَرْءُ النِّزاعاتِ، باجتماعِ القلوبِ على الإيمانِ والموالاةِ عليهِ، والحذرِ مِنْ دعاةِ الفِتنةِ والفُرقةِ، الذينَ لَا يرَونَ سِوَى حدودِ أوطانِهِم، ولا يتألَّمونَ لألمِ المسلمينَ مِن إخوانِهِم، وهذا واجبٌ على مستوى الدُّوَلِ فِيمَا بينَها، وعلى مستوى الأفرادِ والشُّعوبِ، قالَ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٥-٤٦].

ورابعُها: لزومُ جَماعةِ المسلمِينَ بطاعةِ وليِّ الأمرِ المسلمِ فِي المعروفِ، فالالتفافُ حَوْلَ القياداتِ الشَّرعيّةِ فِي بلادِ المسلمينَ، صِمامُ أمانٍ مِنَ الفوضَى، وسدٌّ لبابِ مثيرِي الفتنِ، الذينَ لَا تَعْنِيهِم مصالحُ الأمَّةِ العُلْيَا، ويبتغُونَ الدَّمارَ لبلادِ المسلمِينَ.

وأخيرًا: معرفةُ العَدُوِّ ومجاهدتُه والحذرُ مِنهُ، فيجبُ أَنْ ندرِكَ أعداءَنا الحقيقيّينَ مِن كلِّ جانبٍ، ونبرأَ إلى اللهِ مِن موالاةِ مَن عادى اللهَ وأولياءَهُ، ونَعِيَ أنَّ الصَّهاينةَ والصَّفويّينَ عدُوّانِ لَنَا، ولكلٍّ مِنهُما مشروعُهُ، لَكِنِ اختلفَتْ مصالِحُهُما، وتضاربَتْ مشاريعُهما، وأمَّا نحنُ فطرفٌ آخرُ، لَسنَا مِن هؤلاءِ ولَا مِن أولئِكَ، بَل نحنُ هدَفٌ ومطمَعٌ للفريقَينِ.

فلنحذَرْ مِنَ الاصطفافِ والرُّكونِ إلى أيٍّ مِنهُما فنُطعَنَ فِي ظهورِنا، أَوْ أَنْ نطاوِعَهُم بالتخلِّي عَن شيءٍ مِن دينِنا وعقيدتِنا، فلا نجنيَ إلا الشَّوكَ والنَّدَم.

قالَ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٤٩- ١٥٠]، وقال تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود: ١١٣].

اللّهُمَّ أرِنَا الحقَّ حقًّا وارزقْنَا اتّباعَه، وأرِنَا الباطلَ باطلًا وارزُقنَا اجتنابَهُ، ولا تجعَلْهُ ملتبِسًا علينا فَنَضِلَّ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّيْنَ وَلا مُضِلِّينَ، سِلْمًا لأَوْلِيائِكَ، حَرْبًا على أَعْدَائِكَ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ، وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ.

اللّهُمَّ آمنَّا في أوطانِنَا، وأصلِح أئمَّتَنا ووُلاةَ أُمورِنَا، واكفِنَا شرَّ الأشرار وكيدَ الفُجّار.

اللّهُمَّ مَن أرادَ إيمانَنَا وأمنَنَا بسُوءٍ فاشغَلهُ بنَفسِه، واجعَل كَيدَهُ في نَـحرِه.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: