خطبة (الاهتداء بالقرآن)

خطبة (الاهتداء بالقرآن)

عنوان الخطبة: الاهتداء بالقرآن

عناصر الخطبة:

١- القرآن هُدًى للناس.

٢- إلى أي شيء يهدينا القرآن؟

٣- لماذا كان القرآن هدًى؟

٤- كيف نهتدي بالقرآن؟

الحمدُ للهِ الرَّزاقِ ذي القوةِ المتينِ، يبسطُ الرِّزقَ لمنْ يشاءُ ويَقْدِرُ، وهُوَ العليمُ الحكيمُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ الله:

يقولُ أبو الدَّرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ العِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ». فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا القُرْآنَ؟ فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ! هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟!» جامع الترمذي (٢٦٥٣)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٩٩٠). (١).

يقفُ المسلمُ كلَّ يومٍ في صلاتِهِ يسألُ اللهَ الهدايةَ إلى الصِّراطِ المستقيمِ، ذاكَ الصِّراطُ الذي هدى اللهُ إليهِ النَّبيِّينَ ومَنْ سارَ على هَديِهِمْ، وتنكَّبَهُ اليهودُ والنَّصارى فسَخِطَ اللهُ عليهِمْ وكانوا منَ الضَّالينَ.

كانَ بأيدِي أهلِ الكِتابِ التّوراةُ ثمَّ الإنجيلُ، إلا أنَّهُمْ ضَلُّوا عنِ الصِّراطِ المستقيمِ، أتدري لماذا لمْ تُغنِ عنهُمْ شيئًا؟

تعالَ أَقُصَّ عليكَ قصَّةَ الهدايةِ.

قالَ الله عزّ وجلّ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ‌هُدًى ‌لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥].

وقال النَّبيُّ ﷺ: «كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» صحيح مسلم (٢٤٠٨). (٢).

أنزلَ اللهُ القُرآنَ لهدايةِ عِبادهِ، فما معنى الهدى؟

الهُدى هوَ البيانُ الشَّافي والدَّلالةُ الواضحةُ والإرشادُ الصَّادقُ الذي يوصِلُ مَنْ أرادَ الوصولَ إلى قصدِهِ ووِجْهتِهِ.

إذًا؛ إلى أيِّ شيءٍ سيهدينا القرآنُ؟

مِنْ أجمَعِ الكلماتِ التي قالتها الجنُّ عنِ القرآنِ لما سمعوهُ، ما قصَّهُ اللهُ علينا فقالَ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * ‌يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١-٢].

الرُّشدُ، إنَّهُ الحقُّ والسَّدادُ والصَّوابُ في كلِّ ما بهِ صلاحُ الخلقِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.

إنَّ الإنسانَ من غير الوحيِ حاله كحال إنسانٍ تائهٍ في الصَّحراءِ بعواصفِها المتلاحِقَةِ، أوْ كشخصٍ على مركَبٍ في عُرضِ البَحرِ بأمواجِهِ المُتلاطِمةِ، كِلاهُمَا يَبحثُ عنِ النَّجاةِ، يَنظُرُ إلى النُّجومِ التي جعلَهَا اللهُ هِدايةً للنّاسِ في سُبُلِهِمْ يتلمَّسُ منها خريطةَ السَّبيلِ.

كذلكَ الإنسانُ وَسْطَ عواصفِ الأفكارِ الإنسانيّةِ، وظُلُماتِ أمواجِ الفَلسفاتِ الأرضيّةِ، لا يُمكنِهُ أنْ يهتديَ إلى الحقِّ دونَ أنوارِ الوَحيِ المَعصُومِ.

يبحَثُ الإنسانُ بفِطرتِه عنْ ربِّهِ، مَن هُو؟ وما صِفاتُه؟ ومَا الذي يجِبُ لهُ؟

أحقًّا يمكنُ أنْ يكونَ الإلهُ إنسانًا؟ أوْ حَجرًا، أوْ شمسًا، أوْ قمرًا، أوْ وثنًا؟

ومَن أنا؟ وما الدُّنيا؟ ومنِ الذي جاءَ بي؟ ولأيِّ شيءٍ جِئتُ؟

ما هذهِ الأحداثُ التي تقعُ في الكونِ؟ الحياةُ والموتُ، الخيرُ والشَّرُّ، الصِّحةُ والمرَضُ، الفَقرُ والغنى، المصائبُ والكوارثُ، كلُّ هذا وكلُّ ما يجري، ما الحكمةُ منْ وقوعِهِ؟

ينظرُ إلى أخيهِ الإنسانِ، يبحثُ كيفَ يعاملهُ؟ وما معيارُ الحقِّ والعدلِ؟ وما الحدُّ الفاصلُ بينَ الأخلاقِ الحسنةِ والسّيِّئةِ؟

ما الطَّيِّبُ والخَبيثُ؟ ما جزاءُ الصَّالِحينَ؟ وما جزاءُ المجرِمينَ؟ وهلِ الموتُ يُعَدُّ عقوبةً للظّالمينَ؟ وماذا بعدَ الموتِ؟ أيُعقَلُ ألا يكونَ بعد الموت مَعادٌ وجزَاءٌ؟

في خِضَمِّ هذهِ الأسئلةِ التي لا تنتهي، يأتي الوحيُ بأنوارِهِ ليُجيبَ عنها الجوابَ الشَّافيَ، فما مِن سُؤالٍ مِنَ الأسئلةِ الوُجوديَّةِ، ولا قضيَّةٌ ممَّا اختلفَتْ فيهِ أنظارُ البَشَرِ، إلا وحَكَمَ فيها القُرآنُ حُكمًا بيِّنًا فَصلًا، لا ترى فيهِ زيغًا ولا عِوجًا.

ولكِن، لماذا كانَ القُرآنُ هوَ الـهُدى؟

لأنَّه كلامُ اللهِ العَليمِ الذي أنزلَهُ بعلمه، فصَّلهُ على عِلمٍ، ليسَ فيهِ خبرٌ أوْ حكمٌ عنْ جَهلٍ أوْ ضلالةٍ.

قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ‌مِنْ ‌لَدُنْ ‌حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦].

وقال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ ‌هُدًى ‌وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢].

لأنَّ اللهَ الهاديَ جعلَ فيهِ أسبابَ الهدايةِ، فهو الكتابُ المبينُ، وآياتُ اللهِ البيِّناتُ، جعلَه اللهُ بيِّنًا واضحًا لا التباسَ فيهِ ولا غموضَ، وجعلَهُ تِبيانًا لكلِّ شيءٍ يحتاجُ إليه الناسُ في دينِهم وشريعتِهم وملَّتِهم.

قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ ‌بَيِّنَاتٍ ‌لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: ٩].

وقال سبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‌تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩].

القرآنُ هوَ الهدى؛ لأنَّ اللهَ جعلَهُ نورًا، يُخرِجُ مَنِ استضاءَ بهِ مِنَ الظلماتِ إلى النورِ، ما إنْ تُسلَّطُ أنوارُهُ على أيِّ ظلمةٍ حتَّى تكشفَها، فيستبينَ المسترشِدُ بهِ طريقَهُ.

قال جلّ وعلا: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ ‌جَعَلْنَاهُ ‌نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢].

هو الهُدى؛ لأنَّهُ الفرقانُ، قالَ تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي ‌نَزَّلَ ‌الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١].

هو فرقانٌ بينَ الإلهِ الحقِّ وأوصافِهِ التي تنبغي لهُ وبينَ الآلهةِ الباطلةِ، بينَ الإيمانِ والكفرِ، بينَ التَّوحيدِ والشِّركِ، والحقِّ والباطلِ، والخيرِ والشَّرِّ، والإصلاحِ والإفسادِ، وكلِّ ما التبسَ أمرُهُ على الناسِ ففي القرآنِ فُرقانُهُ الذي يُزيلُ إشكالَهُ.

القرآنُ هوَ الهدى؛ لأنَّهُ الكِتابُ الحكِيمُ، الذي أُحكمتْ آياتُهُ، وكلُّ أحكامِهِ غايةُ الحِكمةِ، بها صلاحُ الدُّنيا والآخرةِ.

قالَ تعالى: تِلْكَ آيَاتُ ‌الْكِتَابِ ‌الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان: ٢-٣].

لأنّهُ الكتابُ الحقُّ، يحملُ في آياتِهِ قذائفَ الحقِّ الدامغةَ للباطلِ، بالحقِّ أنزلهُ وبالحقِّ نزَل، لا يأتيهِ الباطِلُ منْ بينِ يديهِ ولا منْ خلفِهِ، تنزيلٌ منْ حكيمٍ حميدٍ.

قالَ سبحانه: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ‌وَيَهْدِي ‌إِلَى ‌صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: ٦].

لكن، إذا فَهِمنا أنَّ القرآنَ هوَ الهدى، فكيفَ يهتدي بهِ الإنسانُ؟

إنَّ اللهَ جعلَ القرآنَ هدىً للناسِ جميعًا، الإنسِ والجنِّ، إلا أنَّ النَّاسَ منهُم مَن أرادَ الحقَّ، فلمَّا جاءَهُ القرآنُ قبِلَهُ وأَقبَلَ عليهِ، فاهتدى بهِ وزادَهُ اللهُ هُدًى، فكانَ مِن المهتدينَ، ومنهُم مَن جاءَهُ القرآنُ ورأى أنوارَهُ فلم يَقْبل هُدى اللهِ، فأعرضَ عنهُ وتكبَّرَ عن هداهُ واستحبَّ العَمى على الهُدى، فغَوَى وكانَ مِن الضالِّينَ.

ذلكُم هوَ الفَارقُ بين مَن ضَلَّ ومَن اهتدَى، أولئكَ الذينَ اتَّبعوا أهواءهُم وآثَروا الحياةَ الدنيا ولم يريدوا الحقَّ، لن يهتدوا بأنوارِ القرآنِ، وأمَّا الذينَ تجرَّدوا عنِ اتِّباعِ الهوى، وأرادوا -صدقًا- الوصولَ إلى الحقِّ فسيهديهِمُ اللهُ بأنوارِ القرآنِ ويُخرجُهُم مِن الظُّلماتِ إلى النورِ.

قال سبحانه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * ‌يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ‌وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥-١٦].

إنَّ كُلَّ مَن أعرضَ عن الوحيِ كانَ لهُ نصيبٌ من الضَّلالِ بحسَبِ إعراضِهِ، وهم ما أعرضوا عنهُ إلا لَمَّا عارضَ شَهَواتِهم وملذَّاتِهم.

قال سبحانه: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ ‌هُوَ ‌أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ‌وَهُوَ ‌أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: ٢٩-٣٠].

وهنا تبدأُ رحلةُ الاهتداءِ التامِّ النافعِ بالقرآنِ.

الإيمانُ بهِ أولًا، التصديقُ أنَّهُ كلامُ اللهِ، والإيمانُ بأنَّهُ النورُ والفرقانُ والكتابُ الحكيمُ والآياتُ البيناتُ، والحقُّ المبينُ.

قالَ تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ‌هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤].

أما الذينَ جاءَهُمُ القرآنُ فجَحَدوا بهِ وتولَّوْا عنهُ فإنَّهُ يكونُ عليهِم عَمًى، رُغمَ أنَّ أدواتِ المعرفةِ والاهتداءِ -مِنْ سَمْعٍ وبَصَرٍ وأفئدةٍ- سليمةٌ.

قال الله تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل: ٨٠-٨١].

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.

 

الخُطبة الثَّانية

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:

عبادَ الله:

إنَّهُ لا بُدَّ معَ الإيمانِ والتَّصديقِ بالقرآنِ منَ الاعتصامِ بهِ.

لا يتمُّ الهدى إلا بالاعتصامِ بالقرآنِ تعلُّمًا وعمَلًا، اعتقادًا وتحاكُمًا، كاعتصامِ الغريقِ في لُجَجِ المحيطِ، يوقنُ ألَّا نجاةَ لهُ إلا بهِ.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ‌وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ١٧٤-١٧٥].

ها هو النَّبيُّ ﷺ يوصي أصحابه يوم عرفة -ووصيتُه للأُمَّة جميعًا من بعده- قائلًا: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ» صحيح مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٣).

إنَّ الاهتداءَ بالقرآنِ أنْ تتخلَّى عنْ مناهِجِ الخَلقِ وفلسفَاتِهم ونظريَّاتِهمُ الأرضيَّةِ المادِّيَّةِ التي تُصادمُ الوَحيَ المعصومَ: القرآنَ والسنةَ، ثمَّ تجعلَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ ﷺ السِّراجَ الذي تهتدي بهِ في ظلماتِ الأفكارِ والمناهجِ.

عندما تريدُ إصلاحَ الحياةِ -الحياةِ الاجتماعيَّةِ أوِ الاقتصاديَّةِ أوِ السياسيَّةِ- فليسَ أمامكَ إلا رؤيةُ القرآنِ الإصلاحيةِ، فتعتصمَ بها دونَ ما سواها، وحينئذٍ تكونُ الهدايةُ.

اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.

اللّهُمَّ آمِنّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.

رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

شارك المحتوى: