عنوان الخطبة:الشفاعة العظمى
عناصر الخطبة:
١- المقام المحمود.
٢- شِدَّة أهوال يوم القيامة.
٣- عظيم قَدْر النَّبيِّ ﷺ عند ربِّه.
٤- حَمْد الله مِفتاح الدعاء.
الحمدُ للهِ مالكِ يومِ الدِّينِ، الذي رفعَ مقامَ عبدهِ ونبيِّهِ محمدٍ ﷺ على الأوَّلينَ والآخِرينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقِبُوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
عبدَ الله:
لعلَّكَ ممَّنْ منَّ اللهُ عليهِ ووفَّقَهُ ليقولَ بعدَ الأذانِ ما عَلَّمَناهُ رسولُ اللهِ ﷺ إذْ يقولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» صحيح البخاري (٦١٤)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١).
لكنِّي سائلُكَ: أتَدري ما المَقامُ المحمودُ الذي تطلبُهُ منَ اللهِ لرسولِهِ ﷺ؟
ذاكَ المقامُ المحمودُ الذي وعدَهُ اللهُ فقالَ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩].
لقدْ أخبَرَنا عنه نبيُّنا ﷺ فقال: «الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ: الشَّفَاعَةُ» مسند أحمد (١٠٢٠٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٦٩). (٢).
إنَّهُ المقامُ الذي يحمَدُهُ فيهِ الأوَّلونَ والآخرونَ، مقامُ الشَّفاعةِ العظمى، وما أدراكَ ما الشَّفاعةُ العظمى؟
تعالَ أُخْبِرْكَ عنهُ حديثَ صدقٍ عنِ الصَّادقِ المصدوقِ ﷺ.
يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ» المعجم الكبير (٩/٣٥٧)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٩١). (٣).
يومٌ مقدارُه كما قال تعالى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤].
يجمعُ اللهُ الخلائقَ أوَّلَهُمْ وآخرَهُمْ، وتُدنى الشَّمسُ منْ رؤوسِ العبادِ، حُفاةً عُراةً، والملائكةُ تُحيطُ بالخلقِ، والنَّاسُ في كَرْبٍ عظيمٍ، يُريدونَ أنْ يفصِلَ اللهُ ويقضيَ بينَ الخلائقِ، فماذا يفعلونَ؟
يُجيبُنا رسولُ الله ﷺ فيقول: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ.
فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ! خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟! فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ!
فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ!
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِبَاتٍ، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى!
فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ!
فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ!
فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟! فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» صحيح البخاري (٤٧١٢)، وصحيح مسلم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤).
ما أشدَّ أهوالَ يومِ القيامةِ! فإنَّ اللهَ الحليمَ الصَّبورَ يغضبُ يومئذٍ غضبًـا لمْ يغضبْ قبلهُ مثلهُ، ولنْ يغضبَ بعدهُ مثلهُ، حتى يقولُ الأنبياءُ وأولو العزمِ منَ الرُّسلِ: نفسي، نفسي! فما حالُنا نحنُ يا عبادَ اللهِ؟!
حريٌّ بكلِّ مؤمن تقيٍّ أنْ يكونَ حالُهُ كما قالَ تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٤٩].
ثمَّ أيُّ مقامٍ شريفٍ عظيمٍ بلغَهُ نبيُّنا ﷺ عندَ ربِّهِ حتى يتأخَّرَ أولو العزمِ منَ الرسلِ ويتقدَّمَ عليهِمْ عندَ ربِّ العالمينَ في هذا المشهدِ العظيمِ؟
إنَّه القائل ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» صحيح مسلم (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٥).
وهو القائل ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ -آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ- إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ» جامع الترمذي (٣٦١٥)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٤٧٧) (٦).
إذا كانَ آدمُ عليهِ السَّلامُ قد اعتذرَ عنْ مقامِ الشَّفاعةِ بأَنَّهُ أكلَ منَ الشَّجرةِ معَ أَنَّهُ تابَ وقُبِلَتْ توبَتُهُ، وإذا كانَ نوحٌ عليهِ السلامُ -أَوَّلُ رسولٍ منْ أُولِي العزمِ، العبدُ الشكورُ، الذي لبثَ داعيًـا إلى اللهِ ألفَ سنةٍ إلَّا خمسينَ عَامًـا- قد اعتذرَ بأَنَّهُ دعا اللهَ بأَنْ يُغْرِقَ الأرضَ ويُهْلِكَ الكافرينَ وهُمْ مستحقُّونَ لذلكَ، وإذا كانَ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ -الأمَّةُ القانتُ الحنيفُ الذي اجتباهُ اللهُ واصطفاهُ- قد اعتذرَ عنْ ذلكَ المقامِ بأَنَّهُ استخدمَ المعاريضَ في ثلاثةِ مواقفَ حكاها النَّبيُّ ﷺ فقال: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ» صحيح مسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٧)، ومعلومٌ أنَّ التي في شأنِ زوجِهِ سارةَ عندما قالَ للطَّاغيةِ الظَّالمِ عنها إنَّها أختُهُ -يقصدُ: في الإسلامِ- ليدفعَ عدوانَهُ عنهما، وهوَ واجِبٌ، ومعَ ذلكَ فقدِ اعتذرَ عنْ مقامِ الشَّفاعةِ بهذهِ الثَّلاثِ لعظيمِ معرفتِهِ بربهِ، وعِظَمِ مقامِ الشَّفاعةِ العظمى، وإذا كانَ مُوسى عليهِ السلامُ -كليمُ الرَّحمنِ الذي أنزلَ اللهُ عليهِ التوراةَ- قد اعتذرَ عنِ الشَّفاعةِ العُظمى بأنَّهُ قتلَ نفسًـا خطأً، وقدِ استغفرَ ربَّهُ وغفرَ لهُ، وإذا كانَ عيسى عليهِ السلامُ -وهوَ عبدُ اللهِ وروح منه وكلمتُهُ، الذي جعلَهُ اللهُ وجيهًـا في الدُّنيا والآخرةِ- لمْ يجدْ أحدًا يستحقُّ ذاكَ المقامَ إلا نبيَّنا ﷺ الذي غفرَ اللهُ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ وما تأخَّرَ، حينئذٍ تعلمُ أنَّ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ سَيِّدُ ولدِ آدمَ، وأعظمُ الخلقِ عندَ اللهِ جاهًا وقَدْرًا، وأعلاهُمْ منزلةً وشرفًـا، فواجبُنا الإيمانُ بهِ ومحبتُهُ وتوقيرُهُ وطاعتُهُ واتِّباعُ سُنَّتِهِ والصَّلاةُ عليهِ ﷺ.
عبادَ الله:
إنَّ النَّبيَّ ﷺ هوَ مَنْ علَّمنَا أَنْ نسألَ اللهَ تعالَى أَنْ يبعثَهُ المقامَ المحمودَ، ولذا فإنَّهُ ﷺ لا يشفعُ حتَّى يسجدَ لربِّهِ ويحمدَهُ ويستأذنَهُ فيأذنَ اللهُ لهُ، فإنَّ للهِ الشَّفاعةَ جميعًـا، لا يشفعُ أحدٌ إلا بإذنِهِ.
قال سبحانه: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟ [البقرة: ٢٥٥].
الأمرُ كلُّهُ للهِ وحدَهُ، لهُ الشَّفاعةُ جميعًـا، سبحانَهُ وبحمدِهِ.
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.
الخطبة الثَّانية
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:
إنَّ النَّبيَّ ﷺ يُقدِّمُ بينَ يدَي شفاعتِهِ سجودَهُ لربِّهِ، وحمدَهُ لهُ بأعظمِ المحامدِ التي يَستفتحُ بهَا رحماتِ الرحمنِ الرَّحيمِ، التي لمْ يَفتَحِ اللهُ بهَا على أحدٍ منْ قبلِهِ.
يبدأُ حمدَهُ لربّهِ فيقولُ كما أخبرنا ﷺ: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، عَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَنَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ» السنن الكبرى (١١٢٣٠)، من قول حذيفة رضي الله عنه، وله حكم الرفع، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (٨/٣٩٩). (٨).
ليسَ هذا فحسبُ، بلْ كمَا قالَ ﷺ: «وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ» صحيح البخاري (٧٥١٠)، وصحيح مسلم (١٩٣)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٩).
أتدري كمْ يمكثُ النَّبيُّ ﷺ ساجدًا عندَ العرشِ حامدًا لربِّهِ؟
أخبَرَنا ﷺ أنَّه: «يَخِرُّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، وَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ! وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَرَّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ أُخْرَى، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» مسند أحمد (١٥)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحسنه الألباني في ظلال الجنة (٨١٢) (١٠).
إنَّ حمدَ اللهِ هوَ الثَّناءُ عليهِ بأوصافِ الكمالِ ونعوتِ الجلالِ، معَ المحبَّةِ والتَّعظِيمِ، التي بهَا يستجيبُ اللهُ دعاءَ عبدِهِ.
اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلبِرِّ وَالتَّقوَى. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







