عنوان الخطبة: الْوِلَايَةُ وَالْقِوَامَةُ: مسؤولية وكرامة
عناصر الخطبة:
١- الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
٢- الْوِلَايَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَضَوَابِطُهَا
٣- الْقِوَامَةُ تَشْرِيفٌ وَتَكْلِيفٌ
٤- الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حُقُوقٌ وَإِحْسَانٌ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَتَمَّتْ كَلِمَاتُهُ صِدْقًا وَعَدْلًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عِبَادَ اللَّهِ:
بَيْنَمَا الصَّحَابَةُ يُعَلِّمُونَ التَّابِعِينَ أَمْرَ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ، إِذْ ثَارَتْ مَسْأَلَةٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، أَتَدْرِي مَا هِيَ؟
يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَأِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ»؟صحيح مسلم (٢٨٣٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١).
أَعْظِمْ بِذَاكَ الْجِيلِ الْفَرِيدِ، تِلْكُم مَسَائِلُهُمُ الَّتِي تَشْغَلُ أَذْهَانَهُمْ، أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لِرَبِّهِ وَأَطْوَعُ لَهُ، وَأَيُّهُمْ أَكْثَرُ حَظْوَةً بِجِنَانِ الْخُلْدِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
يَقُولُ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[التوبة: ٧١].
إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْإِسْلَامِ قَائِمَةٌ عَلَى الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَالتَّكَامُلِ وَالتَّنَاصُرِ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مَعْرَكَةٌ وَمُشَاحَنَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَدِينُ اللَّهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: ١٢٤]،
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»جامع الترمذي (١١٣)، من حديث عائشة رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٦٣). (٢).
إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ مَا فَتِئُوا يُؤَلِّبُونَ الْمَرْأَةَ عَلَى الرَّجُلِ، بِدَعْوَى أَنَّهَا مَظْلُومَةٌ مَقْهُورَةٌ، وَيَدَّعُونَ جَهْلًا أَوْ زَنْدَقَةً أَنَّ الدِّينَ هو الذي فَعَلَ ذَلِكَ، حِينَ جَعَلَ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْوِلَايَةَ وَالْقِوَامَةَ، فَهَلِ الْأَمْرُ حَقًّا كَمَا يَقُولُ الدَّجَاجِلَةُ؟
الْإِسْلَامُ دِينُ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، شَرَعَهُ رَبُّنَا الْقَائِلُ: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]، فَمَا مِنْ حُكْمٍ فِيهِ إِلَّا وَهُوَ حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَفِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى [آل عمران: ٣٦]، وَقَدِ اتَّفَقَ عُقَلَاءُ بَنِي آدَمَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمَرْأَةِ جَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا وَعَقْلِيًّا، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَنْقَصُ مِنَ الرَّجُلِ فِي عَقْلِهَا وَدِينِهَا، فَقَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قالت بعض النسوة: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا»صحيح البخاري (٣٠٤)، وصحيح مسلم (٨٠)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (٣).
وَلِذَا مَيَّزَ اللَّهُ الرَّجُلَ بِأَحْكَامٍ تُنَاسِبُ رُجُولَتَهُ، وَخَصَّ الْمَرْأَةَ بِأَحْكَامٍ تُنَاسِبُ أُنُوثَتَهَا، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْعَاطِفَةُ فَلَا تَضْبِطُ الْأَمْرَ ضَبْطَ الرِّجَالِ، مَنَعَهَا الشَّرْعُ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»صحيح البخاري (٤٤٢٥)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (٤)، فَلَا تَلِي الْمَرْأَةُ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ.
وَجَعَلَ اللَّهُ لِلرِّجَالِ الْوِلَايَةَ عَلَى النِّسَاءِ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ دُونَ كُلِّهِ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ وِلَايَةَ النِّكَاحِ، فَقَالَ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، ثلاثًا»جامع الترمذي (١١٠٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٨٤٠). (٥).
وَمَنَعَ الْإِسْلَامُ الْمَرْأَةَ مِنَ السَّفَرِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ؛ صِيَانَةً لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»صحيح البخاري (١٨٦٢)، وصحيح مسلم (١٣٤١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٦).
إِنَّ الْوِلَايَةَ لَيْسَتْ طُغْيَانًا أَوْ تَعَنُّتًا، إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، إِذِ الْوِلَايَةُ فِي أَصْلِهَا مِنَ الْقُرْبِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ لِقُرْبِهِ مِمَّنْ تَوَلَّاهُ، إِذْ يَقُومُ عَلَيْهِ حِفْظًا وَرِعَايَةً، فَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي يَتَوَلَّى شُؤُونَ الْمَرْأَةِ، وَيَقُومُ عَلَى مَصَالِحِهَا رِعَايَةً وَكِفَايَةً وَتَدْبِيرًا، فَالرِّجَالُ أَعْرَفُ بِالرِّجَالِ، وَأَدْرَى بِوَاقِعِ الْحَيَاةِ وَأَقْدَرُ عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّقَصِّي، وَأَضْبَطُ فِي تَحْكِيمِ الْعَقْلِ دُونَ الْعَوَاطِفِ وَالْمَشَاعِرِ.
وَالْوِلَايَةُ لَا تَعْنِي الظُّلْمَ وَالْقَهْرَ، أَوْ إِبَاحَةَ التَّعَدِّي وَأَكْلَ الْحُقُوقِ، فَإِنَّ الْأَبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ اسْتَأْذَنَهَا، فَإِنْ أَبَتْ لَمْ يُجْبِرْهَا، وَإِنْ زَوَّجَهَا دُونَ رِضَاهَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي وَجَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ أَنْ تَقْبَلَ أَوْ تَرْفُضَ، فَهَذِهِ امْرَأَةٌ زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ«فَرَدَّ نِكَاحَهُ»صحيح البخاري (٥١٣٨)، من حديث خنساء بنت خذام رضي الله عنها. (٧)، وسَأَلَتْ عائشةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا: أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَذَلِكَ إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ سَكَتَتْ»صحيح مسلم (١٤٢٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٨).
وَإِذَا خَطَبَهَا الْأَكْفَاءُ فَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ عَنْ تَزْوِيجِهَا أَثِمَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٢].
وَلِلْمَرْأَةِ الرَّاشِدَةِ حُرِّيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا، لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهَا التَّسَلُّطُ عَلَيْهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، فَهَذَا الْمَهْرُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا لَهَا قَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، فَقَالَ: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: ٤]، وقال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء: ٢٠].
عِبَادَ اللَّهِ:
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلرِّجَالِ الْقِوَامَةَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: ٣٤].
وَالْقِوَامَةُ سِيَادَةٌ وَسُلْطَةٌ، وَهِيَ تَشْرِيفٌ وَتَكْلِيفٌ، فَإِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ جِنْسَ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨]، وَلِذَا خَصَّ اللَّهُ الرِّجَالَ بِالنُّبُوَّةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُناطُ بالرِّجَالِ، وَمِنْ هُنَا جَعَلَ الشَّرْعُ الرَّجُلَ قَيِّمًا عَلَى الْمَرْأَةِ، أَيْ قَائِمًا عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ، وَذَلِكَ بِمَا خَصَّ بِهِ الرِّجَالَ مِنْ رَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَسِيَاسَةِ الْمَصَالِحِ وَمُعَالَجَةِ الْأُمُورِ، وَبِمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَرِعَايَةِ الْبَيْتِ، وَهَذَا التَّشْرِيفُ حَمَلَ فِي طَيَّاتِهِ الْمَسْؤولِيَّةَ وَالتَّكْلِيفَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ كَالْحِمَى يَدْفَعُ عَنْهَا الرِّجَالُ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِلَا خِلَافٍنص على ذلك النووي في شرح مسلم (٢/١٦٥) (٩) وَلِذَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»جامع الترمذي (١٤٢١)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧٠٨). (١٠).
ثُمَّ إِنَّ إِنْفَاقَ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ وَكِفَايَتَهُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فَضْلًا، وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ»صحيح مسلم (٩٩٦)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (١١)، وقال ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ »صحيح البخاري (٨٩٣)، وصحيح مسلم (١٨٢٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (١٢).
وَهَذِهِ الْقِوَامَةُ لَا تُبِيحُ ظُلْمَ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِنْ صِفَةِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ طَاعَتَهَا لِزَوْجِهَا، فَقَالَ: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء: ٣٤]، وَقَانِتَاتٌ؛ أَيْ: مُطِيعَاتٌ لِلَّهِ وَلِأَزْوَاجِهِنَّ، وَفَضْلُهَا عَظِيمٌ؛ إِذْ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ»مسند أحمد (١٦٦١)، من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وحسنه الألباني في آداب الزفاف (ص ٢٨٦). (١٣).
ومعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّاعَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، بَلْ هِيَ فِيمَا يَخُصُّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ، وَفِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»صحيح البخاري (٤٣٤٠)، وصحيح مسلم (١٨٤٠)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (١٤).
وَمَعَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا مِنْ حَقِّهِ وَقِوَامَتِهِ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلا يَمْنَعْهَا»صحيح البخاري (٥٢٣٨)، وصحيح مسلم (٤٤٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (١٥).
فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ وُجُوبَ اسْتِئْذَانِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا لِخُرُوجِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، ووجوبُ استئذانها إيَّاه في الخروج لغيرِ ذلك مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا نَهْيُ الرَّجُلِ عَنِ الرَّفْضِ، مَا لَمْ يَخْشَ فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:
إِنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ وَالْعَلَاقَةَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ قَائِمَةٌ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ رَبُّنَا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]، وَالْبَيْتُ الْمُسْلِمُ لَبِنَةُ الْمُجْتَمَعِ، فَإِنْ صَلَحَ الْبَيْتُ وَالْأُسْرَةُ صَلَحَ الْمُجْتَمَعُ، وَذَاكَ الصَّلَاحُ أَسَاسُهُ الْقِيَامُ بِالْحُقُوقِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ الْفَضْلُ وَالْإِحْسَانُ.
وَلِذَا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ: «أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ»جامع الترمذي (١١٦٣)، من حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٢٠٣٠). (١٦).
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِينَ في غزّةَ وفي كلِّ مكانٍ، واكتُب لهم نَصرًا وفَرَجًا قريبًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







