﷽
ما المقصود ببرهان الهداية، ولماذا يدلُّ على وجود الله؟
برهان الهداية دليل عقليٌّ يستند إلى السُّلوك الفطريِّ الدَّقيق في الكائنات الحية الذي يظهر منذ ولادتها من غير تعليم.
وهذه الهداية الفطرية، إن كانت مغروزةً في نفوس تلك الكائنات أو مبرمجةً في تعليماتها الجينيَّة، فلا يمكن اختزالها في آلياتٍ طبيعيَّةٍ مادِّيَّة؛ لأنها مهامُّ وظيفية معقَّدة لا غنى عنها في حياة تلك الكائنات الحيَّة، ولا يمكن أن تنشأ تدريجيًّاسيأتي الرَّدُّ بالتفصيل على افتراض التطور التدريجي الدارويني للأعضاء والسلوكيات، وذلك في مقالٍ لاحق بعنوان: "نقدٌ علميٌّ لنظرية التطور الداروينية"، وخصوصًا في قسم "التعقيد غير القابل للاختزال". (1)، مما يجعلها تدلُّ مباشرةً على الخالق العليم الخبير.
إشارة القرآن الكريم إلى برهان الهداية:
قد أشار القرآن الكريم إلى برهان الهداية في مواضعَ متعدَّدةٍ، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 68-69].
فهذه الآية الكريمة تُبرز معنى الهداية الإلهية للكائنات، إذ هدى اللهُ النحلَ إلى اتخاذ المساكن، وجمع الرحيق، وسلوك السُّبل الميسَّرة، ثم إخراج العسل على هذا الوجه البديع، وكلُّ ذلك من غير تعليم بشري أو إرشاد مكتسَب، وإنما هو بهداية فطرية أَوْدَعها الله فيها.
كما جاء ذكر برهان الهداية مقترنًا ببرهان النَّظم في أكثر من موضع؛ لِما بينهما من تلازم في المعنى والدَّلالة؛ إذ إن الإيجاد المحكَم يستلزم توجيهًا وهدايةً يؤدِّيان إلى تحقيق الغاية من الخلق، قال تعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [طه: 50]؛ أي: أعطى كل مخلوق صورته وهيئته وخصائصه التي تلائمه، ثم هداه لما يُصلحه، وعلَّمه إياه.
وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ [الأعلى: 2-3]، فجمع بين الخلق والتَّسوية والتقدير، ثم أتبعها بالهداية؛ لأنَّ جميع المخلوقات خُلِقت لغاية مقصودة بها، فلا بُدَّ أن تُهدَى إلى تلك الغاية التي خُلِقت لها، فلا تتمُّ مصلحتها وما أريدت له إلا بهدايتها لغاياتهامجموع الفتاوى لابن تيمية، (16/130). (2).
أمثلة الهداية الفطرية في الكائنات الحية:
في هذا المقال نُسلِّط الضَّوء على بعض أمثلة الهداية الفطريةالهداية الفطرية تشمل ما تُولَد به الكائنات الحية من سلوكٍ فطريٍّ يُمكّنها من معرفة ما ينبغي عليها فعله فور ولادتها، من غير حاجة إلى تعلّمٍ من الوالدين. كما تشمل كذلك قدرتها على التعلُّم من الوالدين واكتساب الخبرات الحياتية.فكلا الأمرين يدلُّ على هداية الله لمخلوقاته وتُفضِّله عليها بالمعلومات الفطريَّة الضَّروريَّة لقيام حياتها، أو بتفضُّله عليها بالقدرة على التَّعلُّم؛ ولولا هذا الفضل ما تحقَّقت نجاتها. (3) التي نشاهدها في الكائنات الحية، مثل:
مذاق الطعام ورائحته:
من مظاهر الهداية الفطرية الدقيقة في الكائنات الحية أن الله -سبحانه وتعالى- جعل لكل نوع منها توجيهًا حسِّيًّا يحميه من الضَّرر ويوجهه نحو ما ينفعه.
ففي الإنسان، حُبِّبَت إلينا رائحة الطعام الطَّازج السليم وطعمه، مثل رائحة الخبز الطازج والفاكهة الناضجة، وفي المقابل نجد أننا نفِرُّ من الرَّوائح الكريهة الناتجة عن تحلُّل الفضلات أو الطعام الفاسد أو المتعفِّن.
هذه الرائحة الكريهة لنا تنبُع أساسًا من مركَّبات متطايرة تُنتجها البكتيريا في أثناء تحلُّل الموادِّ العضوية- مثل كبريتيد الهيدروجين والأمونياVulpe، Alina، et al. "An ammonium transporter is a non-canonical olfactory receptor for ammonia." Current Biology 31.15 (2021): 3382-3390.https://doi.org/10.1016/j.cub.2021.05.025 (4) وغيرهما- التي تشير إلى وجود مسبِّبات أمراض وسموم قد تضرنا إذا تناولناها. فكأن هذا الاشمئزاز الفطري هو نظام إنذار داخلي يحمينا من الخطر.
أما الذُّباب فإنَّه يجد هذه الروائح الكريهة نفسَها طيِّبة وجذَّابة جدًّاالذباب يستشعر الروائح بطريقة أخرى غير الشَّمِّ، فهو لا يملك أنوفًا مثلنا، وإنما يعتمد على قرنَي استشعار على رأسه، وهما مغطَّيان بشُعيرات دقيقة تحتوي على مستقبِلات حسِّية لروائحَ معينة. (5)؛ إذ يعدُّها إشارةً إلى مصدر غذاء غني بالمغذيات ومكان مثالي لوضع البيض، حيث تنمو يرقاته على الفضلات المتحلِّلة بفضل تلك البكتيريا نفسها التي تُحلِّل الموادَّ العضويَّة وتجعلها متاحة.
وكان يمكن أن يحدث العكس: لو حُبِّبت إلينا رائحة الفضَلات وكرِهَها الذباب، لتعرَّضنا جميعًا للأذى من التَّسمُّم والأمراض، ولَما تمكَّن الذُّباب من أداء دَوره في إعادة تدوير الموادِّ العضويَّة في الطبيعة.
ولا توجد حتميَّةٌ كيميائيَّةٌ تربط نشاط البكتيريا بالرائحة الكريهة دائمًا؛ فبعض البكتيريا والخمائر تُنتج مركَّبات طيِّبة الرَّائحة والمذاق بالنسبة لنا، مثل الخمائر المتسبِّبة في تخمير الخبز والجُبن، وهي مفيدة لنا؛ لأنها تشير إلى عمليات تخمُّر آمنة ومغذية. بل إن بعض البكتيريا والفطريات تؤدِّي دورًا رئيسًا في إنتاج الرَّوائح العِطريَّة التي تفوح من الزُّهورPeñuelas J, Farré-Armengol G, Llusia J, Gargallo-Garriga A, Rico L, Sardans J, Terradas J, Filella I. Removal of floral microbiota reduces floral terpene emissions. Sci Rep. 2014 Oct 22;4:6727. doi: 10.1038/srep06727.http://www.nature.com/srep/2014/141022/srep06727/full/srep06727.html (6)، مما يظهر أنه لا يوجد تلازم بين الرائحة الكريهة والنشاط البكتيري.
فسبحان من هدى كل شيء خلقه، فحبَّب لكل نوع ما يناسبه ويحفظه، وجعل في استشعار الروائح والنَّكَهات دليلًا فطريًّا يُرشد إلى النفع ويُبعد عن الضرر، وهذا مظهر من مظاهر الهداية الإلهية الشاملة التي تشمل الإنسان وسائر الكائنات الحية.
السلاحف البحرية:
السلاحف البحرية لم تحصل على دورات تدريبية في المِلاحة، ومع ذلك فإنَّها فور فقسها تعرف صغارُها كيف تتوجَّه نحو البحر، متغلبة على الأمواج للوصول إلى المحيط، وهو سلوك فطري تمامًا يحصل حال غياب الوالدين، إذ تستشعر السلاحف الصغيرة خريطة المجال المغناطيسي للأرض، وتعرف تمامًا كيف تستخدمهاFuxjager, Matthew J., et al. "The geomagnetic environment in which sea turtle eggs incubate affects subsequent magnetic navigation behaviour of hatchlings." Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences 281.1791 (2014) https://doi.org/10.1098/rspb.2014.1218
(7).
القنادس:
القنادس لم تدرس الهندسة في الجامعات، وإنما وُلدت بمعرفةٍ غريزيَّةٍ دقيقةٍ لبناء السدود المائيةhttps://www.energy.gov/lm/great-beaver-dam-build-engineering-naturally
(8). تستخدم القواطع الأمامية الحادَّة والقويَّة لقطع الأشجار على ضفاف الجداول المائية، ثم تُرتِّب الجذوع والأغصان عَرْضيًا في مجرى الماء؛ لخفض سرعة الجريان ورفع منسوب المياه، ثم تستخدم الطين والأحجار وفروع الأشجار لبناء مسكنٍ أشبهَ بكوخٍ وسط الماء، ويتصل باليابسة عبر مداخل وأنفاق تقع تحت سطح الماء. وقد يبلغ طول بعض هذه السدود مئات الأمتار.
العناكب:
العنكبوت حديث الفَقْس يعلم كيف ينسِج شبكة يسكن فيها ويصطاد بها، حتى قبل أن يرى أي شبكة في حياتهhttps://hub.jhu.edu/2017/12/18/spider-web-spinning
(9)، ولكلِّ نوع نمط خاص به في تصميم الشبكات.
السَّناجب:
السناجب التي لم تختبر الشتاء سابقًا تُخَزِّن الطَّعام فطريًّاDelgado, Mikel M., et al. "Fox squirrels match food assessment and cache effort to value and scarcity." PloS one 9.3 (2014): e92892.https://doi.org/10.1371/journal.pone.0092892
(10) قبل تعرُّضها لبرد أول شتاء.
النَّحل:
تبني شغَّالات النَّحل خلايا سُداسيَّة دقيقة جدًّا من الشمع من غير أي تدريب مسبق، وهذا الشكل السداسي يحقق أعلى كفاءة هندسية (أكبر مساحة بأقل محيط) لتخزين أكبر كمية من العسل بأقل كمية من الشمع المستخدم في بناء الخلية. وقد أُثبِتَ ذلك رياضيًّاHales, T. The Honeycomb Conjecture. Discrete Comput Geom 25, 1–22 (2001). https://doi.org/10.1007/s004540010071
(11) فيما يُعرف بـ «حدسية خلية النحل».
وعندما تخرج شغَّالات النَّحل للبحث عن رحيق الأزهار، فإنها تتجوَّل في اتجاهات متعددة، ومع ذلك تعود من غير أن تضل الطريق، بل تسلك أقصر الطرق الممكنةSrinivasan, Mandyam V. "Where paths meet and cross: navigation by path integration in the desert ant and the honeybee." Journal of Comparative Physiology A 201.6 (2015): 533-546.https://doi.org/10.1007/s00359-015-1000-0 (12).
وبعد وصولها إلى الخلية تصدر حركات اهتزازية محددة، لتخبر باقي أفراد الخلية عن اتجاه الرحيق الذي حصلت عليه وجَوْدته ومقدار المسافة إليه.
كلُّ هذا السُّلوكِ فطريٌّ في أساسه، ويظهر حتى لو لم ترَ النحلةُ أي نحل آخر، وتكتسب دقة أكبر بالمشاهدة الاجتماعيةDong, Shihao, et al. "Social signal learning of the waggle dance in honey bees." Science 379.6636 (2023): 1015-1018.https://doi.org/10.1126/science.ade1702 (13).
الفراشات الملكية:
تقطع الفراشات الملكية مسافة تصل إلى 5000 كيلومتر تقريبًا، في هجرتها السنوية في فصلَي الخريف والربيع، من جنوب كندا إلى غابات المكسيك ذهابًا وإيابًا عبر عدة أجيال متعاقبة.
تستطيع هذه الفراشات أن تجد طريقها من غير أي لافتات إرشادية أو نظام تحديد المواقع العالمي أو خبرة مسبقة، وتسلك غريزيًّا السبل نفسها التي سلكها أسلافها، دون تواصل معهم.
وقد أظهرت الدراساتWilcox, Alana AE, et al. "Captive-reared migratory monarch butterflies show natural orientation when released in the wild." Conservation Physiology 9.1 (2021): coab032.https://doi.org/10.1093/conphys/coab032 (14) أن الفراشات الملكيَّة التي تُربَّى في الأَسر لا تزال تحتفظ بالقدرة على السير على طول مسار الهجرة نفسه الذي سلكه أسلافها البرية، مما يشير إلى أن معلومات الهجرة مغروزة في فطرتها.
ولا تقتصر هذه الهداية الإلهيَّة على مرحلة البلوغ فحسب، بل تتجلى بصورة مدهشة في مرحلة التَّحوُّل من يرقة إلى فراشة. فاليرقة تُلهَم هداية دقيقة فطريَّة لتبني شرنقتها المناسبة في المكان والزمان المناسبين تمامًا، إذ تبتعد عن النبات الذي تتغذَّى عليه، وتبحث عن موقع آمن مرتفع، لتبني شرنقة خضراءَ لامعةً تحميها.
ثم تخضع داخل هذه الشَّرنقة لعملية تحوُّل كاملة معقدة للغايةTettamanti, Gianluca, and Morena Casartelli. "Cell death during complete metamorphosis." Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences 374.1783 (2019). https://doi.org/10.1098/rstb.2019.0065 (15)، حيث تذوب معظم مكوِّنات جسمها إلى سائل بواسطة إنزيمات هضمية، وتتحلَّل معظم خلاياها في عملية هدم دقيقة، لتتحول بعد ذلك إلى كائن جديد تمامًا بعملية بناء ذاتي مبرمجة بدقة بالغة لتشكيل الأجنحة والأرجل والعيون والأعضاء الجديدة.
ولولا أن جميع خطوات الهدم والبناء تحصل بدقَّة متناهية وفي التوقيت السليم لَما نجحت هذه العملية المذهلة، ولَما خرجت فراشة واحدة قادرة على الطيران والقيام بهجرتها الطويلة.
هجرة الطيور:
كثير من الطيور تقوم بهجرات طويلة كل عام، ومن أطولها هجرة طائر الخرشنة القطبية، الذي يقطع مسافة تصل إلى 70,000–90,000 كيلومتر تقريبًا؛ إذ يهاجر من القطب الشمالي ليتكاثر في القطب الجنوبي، ثم يعود مرة أخرى في العام نفسهلو مددنا خطًّا مستقيمًا بين القطبين لبلغ طوله نحو 20 ألف كيلومتر، وعليه فإن مسافة هجرة طائر الخرشنة، ذهابًا وإيابًا، كان يُفترض أن تبلغ 40 ألف كيلومتر فقط، لكنها في الواقع أطول؛ لأن الطيور لا تتخذ مسارًا مستقيمًا في هجرتها، وذلك لعوامل كثيرة؛ منها: اعتمادها على التيارات الهوائية التي تساعدها في الطيران وتوفِّر لها الطاقة، ومنها استهدافها المناطق الغنية بالغذاء القريبة من سواحل المحيطات، ومنها وجود الجزر التي تهبط عليها للراحة، إلى غير ذلك من العوامل التي تجعلها تتخذ مسارات منحنية في هجرتها، وهذا أيضًا من تدبير الله وهدايته لهذه المخلوقات.Arctic terns confirmed to have the longest animal migration in the world:https://phys.org/news/2010-01-arctic-terns-longest-animal-migration.html
(16).
وقد وجد الباحثون أنَّ صغار هذه الطُّيور لو رُبِّيت في الأسر من غير أي تعرض لمسار الهجرة، فإنها تُظهر قدرة غريزيَّة على التوجه في مسار الهجرة نفسه الذي تسلكه نظيراتها في البريةBerthold, P. (1991). Spatiotemporal Programmes and Genetics of Orientation. In: Berthold, P. (eds) Orientation in Birds. Experientia Supplementum, vol 60. Birkhäuser Basel.https://doi.org/10.1007/978-3-0348-7208-9_5 (17).
بناء الأعشاش:
تعلم الطيور بالفطرة كيف تبني أعشاشها، ولو تأملت عش طائر الخياط أو النَّسَّاج أو القُرْقُف فستتعجب من دقَّة صنعه وصعوبته.
طائر الخيَّاط معروف بقدرته على خياطة أوراق الأشجار معًا لبناء العش، ويستخدم الألياف النباتية كالخيوط، وأما الإبرة فهي منقاره المدبَّب.
طائر النسَّاج يؤدِّي مهمة مشابهة، إلا أنه أحيانًا يبني تجمعات سكنية ضخمة يسكنها مئات الطيور، ولا يخفى أن تصميمًا كهذا يتطلب معرفة بأسس هندسية دقيقة.
طائر القُرْقُف الرَّمادي المعلَّق، يجمع وبر الصوف وشعر الحيوانات وخيوط العنكبوت لبناء عش مذهلhttps://faansiepeacock.com/perplexing-pendulines
(18)، إذ يتضمن مدخلًا وهميًا أسفل المدخل الحقيقي يؤدي إلى حجرة فارغة، فإذا تسللت إليه أفعى وجدت العشَّ فارغًا، أما حجرة التعشيش الحقيقية فتظل مخفية عن طريق غطاء يُغلق تلقائيًّا بخيوط عنكبوتية لزجة.
لا شك أن هذا الطائر الصغير لم يدرس فنّ بناء الأعشاش بطريقة احترافية تُضلِّل أعدائه، وإنما ألهمه الرحمن الرحيم لما فيه نجاته.
الكنغر:
تستمر فترة حمل الكنغر من 21 يومًا إلى 38 يومًا فقط قبل أن تلد صغيرًا قد يكون بحجم حبة أرز أو بحجم نحلة. فيزحف هذا الصغير على جسد أمه باتجاه جرابها الذي يعرف مكانه فطريًاGreydanus, Donald E., and Joav Merrick. "Newborn care: what we can learn from the kangaroo mother." Frontiers in public health 2 (2014): 96.https://doi.org/10.3389/fpubh.2014.00096
(19)، ويعرف أيضًا أن عليه البقاء فيه، فلا يخرج منه نهائيًا إلا عند بلوغه عشرة أشهر.
هجرة سمك السَّلمون:
تهاجر أنثى سمك السَّلمون لتضع بيوضها في أنهار المياه العذبة الباردة ثم تموت، وعندما تفقس البيوض تعيش الأسماك الصغيرة عدة أشهر إلى سنوات في النهر، ثم تهاجر إلى المحيطات.
وعندما يحين موعد التكاثر تقطع آلاف الكيلومترات عكس التيار وتقفز فوق الشلالات لتعود بدقة مذهلة إلى النهر نفسِه الذي وُلدت فيه.
كل هذه الرحلة ذهابًا وإيابًا تكون بهداية فطرية مدعومة بحاسة شم قوية عند تلك الأسماكhttps://www.marine.ie/site-area/areas-activity/fisheries-ecosystems/salmon-life-cycle#:~:text=Salmon%20that%20reach%20maturity%20after,in%20lakes%20and%20deep%20pools. (20).
خاتمة:
عند التأمُّل في أحوال المخلوقات وسلوكها، يتضح أنَّ كلَّ كائن وُهب هداية فطرية تناسبه تمامًا منذ ولادته، وبمعزل عن والديه وعن أفراد نوعه؛ ولولا هذه الهداية لما نجا من المهالك المحيطة به.
وكأنَّ كلَّ مخلوق يولد ومعه «دليل تشغيل» كامل يناسبه تمامًا.
فمن الذي أعطاه هذا الدليل؟
إنه الله الهادي الرحيم سبحانه، الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدره تقديرًا.
فكما أن الإبداع في خلق كلِّ مخلوق يدلُّ على الخالق، كذلك إلهام كلِّ مخلوق بما يجلب له النفع ويدفع عنه الضَّرر يدلُّ على الخالق.
وبذلك يكون برهان الهداية صِنْو برهان النَّظم، وكلاهما يشهدان بوجود خالق حكيم عليم.







