خطبة (الحكمة البالغة)

خطبة (الحكمة البالغة)

عنوان الخطبة: الحكمة البالغة

عناصر الخطبة:

١- بيان معنى حِكمة الله

٢- حكمة الله في قدره

٣- حكمة الله في شرعه

٤- ثمرة الإيمان بالله الحكيم

الحمدُ للهِ العزيزِ الحكيمِ، وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأتقنَ كلَّ شيءٍ خِلْقةً وحُكمًا، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقِبُوه في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [المائدة: ١٥-١٦].

ما أعظمَ أنوارَ القرآنِ! وإنَّ مِن أنوارِه سورةَ الكَهفِ، تلكَ التِي سنَّ لَنَا نبيُّنا ﷺ قراءتَها كلَّ جُمُعةٍ فقالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» المستدرك للحاكم (٣٣٩٢)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٦٢٦) (١).

نُورٌ في قلبِكَ وبصيرتِكَ وعمَلِكَ، تَرَى بِهِ الحقَّ مِنَ الباطلِ، وتهتدِي بِهِ مِن كُلِّ ظُلمةٍ.

كيفَ لَا؟ وَفِي هذهِ السورةِ المباركةِ سراجُ نورٍ يَرَى بِهِ العبدُ الجوابَ الشافِيَ عَن سؤالٍ ضَلَّ بجهلِهِ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، إنَّهُ السُّؤالُ عَن الحِكمةِ الربانِيَّةِ.

فِي سورةِ الكهفِ قصَّةٌ لكليمِ الرَّحمنِ موسى الذِي خرجَ طلبًا للعلمِ مِنَ الخَضِرِ عليهِمَا السّلامُ، وتكونُ المواقفُ الثلاثةُ، التِي هِيَ نماذِجُ تَحَارُ فِيها العقولُ، فِي ظاهرِ كلِّ موقفٍ مِنها شرٌّ وفسادٌ، وخلافُ مصلحةِ العبادِ، إلَّا أنَّ الجوابَ كانَ فِي الخِتامِ سكينةً تملأُ الفؤادَ، ليطمَئِنَّ العبدُ بحكمةِ الحكيمِ الجوَادِ.

فيرى العبدُ أنَّ خَرْقَ السَّفينةِ كانَ في حقيقتِهِ نجاةً، وأنَّ قتلَ الغلامِ كانَ فِي حقيقتِهِ الخيرَ والرَّحمةَ، وأنَّ بناءَ الجدارِ بينَ قومٍ لئامٍ كانَ حفظًا وفضلًا من العظيمِ المنَّانِ.

قَالَ ﷺ: «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا» صحيح البخاري (٣٤٠١)، وصحيح مسلم (٢٦٦١)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. (٢).

عبادَ اللهِ:

اللهُ هُوَ الحكيمُ، وهُوَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ خبيرٌ، لَا يَضِلُّ ولا ينسى، ولا يَغيبُ عَنْهُ مثقالُ ذرَّةٍ، بالغُ الحكمةِ، لا مُنتَهى لحكمتِهِ جلَّ وَعَلَا، والحكمةُ وضعُ الشيءِ على أحسنِ مَا يكونُ، فِي موضعِهِ اللائقِ بِهِ، لغايةٍ حميدةٍ.

إنَّها حكمةٌ فِي صورةِ الشيءِ نفسِهِ وإيجادِهِ وخَلْقِهِ، وحِكمةٌ فِي موضِعِ إيقاعِهِ ووقتِه ومقدارِه وهيئته، وحكمةٌ في غايةِ إيجادِهِ ووقوعِهِ.

واللهُ تعالى لَهُ الخَلقُ والأَمرُ والـحُكمُ، وأَمرُه وحُكمُه نوعانِ، كونيٌّ وشرعيٌّ، وكلاهما فِي غايةِ الحكمةِ.

فاللهُ تعالى فِي حُكمِهِ الكونيِّ يَخلُقُ ويَرزقُ، ويُحيي ويُميتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُعطي ويمنعُ، ويَقبِضُ ويَبسُطُ، ويُقَدِّمُ ويُؤخِّرُ، وكذلك سائرُ أفعالِهِ، جميعُها بحكمةٍ بالغةٍ، تعالى سبحانَهُ عَنِ اللَّهوِ والعبثِ.

السَّماواتُ السَّبعُ والأرَضُونَ السَّبعُ، وأَنتَ أيُّها الإنسانُ، وكذلك الجانُّ، أتظنُّ أنَّ خَلْقَ ذلكَ كانَ عبثًا؟

تعالى اللهُ الحكيمُ القائلُ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ ‌عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].

والقائل: وَمَا ‌خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الدخان: ٣٨-٣٩].

خلقَكَ الحكيمُ لغايةٍ عظيمةٍ وحكمةٍ باهرةٍ أنْ تعبدَهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ، فَلَا صلاحَ للخلقِ إلَّا بأنْ يكونَ اللهُ هُوَ المألوهَ المعبودَ الذِي لَهُ وحدَهُ العبادةُ والخضوعُ، كما قال سبحانَهُ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].

وكُلُّ مَا ترى حولَكَ مِنْ أفعالِ اللهِ قَدَّرَها بحكمتِهِ الباهرَةِ، لَا يَسكُنُ ساكنٌ ولا يتحرَّكُ متحرِّكٌ، ولا تسقُطُ ورقةٌ ولا قطرةُ ماءٍ إلا بحكمتِهِ.

أتَرى الفقيرَ والغنيَّ، والصَّحيحَ والمريضَ، والمعافى والمبتلَى؟ كلُّ هؤلاء تُحيطُهم أقدارُ اللهِ الحكيمِ العليمِ، أقدارٌ جَرَت بحكمةٍ تامَّةٍ بالغةٍ.

أَلَمْ تسمَعْ قولَ أحكمِ الحاكمِينَ: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ‌سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢]؟

بِهَذَا التقديرِ الحكيمِ يَكونُ صلاحُ العالَمِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ ذلكَ لفَسَدَ النَّاس وعمَّ الظُّلمُ، كَمَا قالَ سبحانَهُ: وَلَوْ ‌بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: ٢٧].

شاءَ اللهُ الحكيمُ أنْ تكونَ الدَّنيا دارَ ابتلاءٍ واختبارٍ، فَتَرَى فِيها الأسقامَ والضَّرّاءَ كَمَا تَرَى فِيها الغنى والعافيةَ، والخيرَ والشَّرَّ، لِمَاذَا؟ يجيبُكَ الحكيمُ قائلًا: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، ويقولُ: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٦٨].

لعلَّكَ تبتَئِسُ عِنْدَمَا تَرَى تَسَلُّطَ الكافرِينَ، وعُدوانَ الظالمينَ، وتُؤْلِمُك أنَّاتُ المكلومينَ، وصَرَخاتُ المظلومينَ، فتسألُ نفسَكَ: لِمَاذَا؟ فيجيبُكَ الحكيمُ العليمُ: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ ‌لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤]، ويجيبُكَ قائلًا: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال: ٣٦-٣٧].

إنَّ إيمانَكَ بحِكمةِ اللهِ التَّامَّةِ البالغةِ فِي حُكمِهِ الكونيِّ يجعلُكَ تَصبِرُ على قَدَرِهِ، موقِنًا أنَّ اللهَ مَا قَدَّرَهُ إلَّا بحكمتِهِ وعِلمِهِ، فتقولُ كَمَا قالَ يعقوبُ عليهِ السلامُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ‌الْحَكِيمُ [يوسف: ٨٣].

قَدْ تَتُوقُ نَفسُكَ لشيءٍ مِنَ الدُّنيا، قَدْ يمنَعُ عَنكَ اللهُ مالًا، أو زواجًا، أو ولدًا، أو يؤخِّرُ حصوله، وربَّما دعوتَ اللهَ بِمَا تريدُ، واللهُ لَا يعطِيكَ نفسَ مَا تريدُ، ليسَ بُخْلًا -سبحانَهُ- بل حكمةً منه ورحمةً ولُطفًا، أَلَمْ تَسمعْ قولَ النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يَحْمِيهِ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ»؟ مسند أحمد (٢٣٦٢٢)، من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨١٤) (٣).

عبادَ اللهِ:

وأمَّا حُكمُهُ الشَّرعيُّ سبحانَهُ فَهُوَ فِي غايةِ الحِكمةِ كذلكَ، فإنَّهُ سبحانَهُ مَا شَرَعَ الدِّينَ بأحكامِهِ التَّفصيليةِ إلَّا بحكمةٍ بالغةٍ لا تقُومُ حياةُ الخَلقِ ومصالِحُهم إلَّا بِها.

حيثُمَا نظرتَ إلى تلكَ الشَّريعةِ الحكيمةِ، ترى فِي كلِّ أمرٍ: المعروفَ والخيرَ والصَّلاحَ وموافقةَ العقلِ والفطرةِ، وترى فِي كلِّ محرَّمٍ: أَنَّهُ منكرٌ وفسادٌ وخبيثٌ، حَتَى إنَّ كلَّ عاقلٍ يشهدُ أنَّه لَمْ يأمُرِ اللهُ بشيءٍ فيقَالَ: لَيتَه لَمْ يأمرْ به، وَلَا نهى عَنْ شيءٍ فيقالَ: ليتَهُ لَمْ يَنْهَ عَنهُ، لأنَّه حُكمُ الحكيمِ العليمِ.

إنّنِي أدعُوكَ أيُّهَا المسترشِدُ أنْ تتأمَّلَ أحكمَ الكتبِ؛ القرآنَ الحكيمَ الذِي وصفَهُ اللهُ قائلًا: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ‌الْحَكِيمِ [يونس: ١]، تدبَّر فِيهِ آياتِ الأحكامِ، وكيفَ أنَّ اللهَ بَيَّنَ فِي كثيرٍ مِنها شيئًا مِن حكمتِهِ الباهرةِ، وكيفَ ختمَها باسمِهِ الحَكِيمِ.

تقرَأُ آياتِ المواريثِ، وفِي ختامِها: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ‌حَكِيمًا [النساء: ١١].

وتقرَأُ آياتِ الطَّلاقِ، فيطمَئِنُّ قلبُك لقَولِه: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا ‌حَكِيمًا [النساء: ١٣٠].

يذكُرُ سبحانَهُ قَطْعَ يدِ السارِقِ فيقولُ: وَالسَّارِقُ ‌وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨].

وتقرَأُ آياتٍ أَمَرَ اللهُ فِيهَا المؤمنِينَ بالاستِئذانِ على أمهاتِهِم وأخواتِهِم، وَتَرَى كيفَ خَتَمَهَا بقولِهِ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ‌حَكِيمٌ [النور: ٥٨].

إنَّ حُكمَ اللهِ هُوَ الحِكمةُ، ومَا خَالَفَهُ وعَارَضَهُ هُوَ العَبَثُ والهَوَى والفَسَادُ، لِذَا ذَكَرَ اللهُ فِي سورةِ الإسراءِ أكثرَ مِن عشرينَ حُكمًا شرعيًّا ثُمَّ خَتَمَها بقولِهِ: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء: ٣٩].

إنَّ المؤمنَ الذِي يوقِنُ بحكمَةِ اللهِ التامَّةِ فِي شرعِهِ يُسْلِمُ ويستسلِمُ لأمرِهِ، منشرحَ الصَّدرِ، فرِحًا مسرورًا بحُكمِ الحكيمِ العَليمِ، ولا يُعارضُ ذلكَ بدعَاوى واهِيَةٍ، وَأوهامٍ فاسِدَة.

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:

عبادَ اللهِ:

إنَّ حكمةَ اللهِ الحكيمِ العليمِ لَا يحيطُ بها إلَّا هُوَ، وإنَّهُ سبحانَهُ -رحمةً بعبادِهِ- دَلَّهُم على شيءٍ مِن حِكَمِهِ الباهرةِ فِي أحكامِهِ الكونيَّةِ والشَّرعيَّةِ، إلّا أنَّهُ أَخْفَى عَنهُم كثيرًا مِن حكمتِهِ؛ حِكمةً مِنهُ أيضًا، فَكَمْ مِن أسرارِ الحكمةِ تحارُ فِيهَا العقولُ، لِذَا كانَ واجبَ العقلِ التَّسليمُ التامُّ لربِّ العالمِينَ إيمانًا بحكمتِهِ، وبِمَا عَلِمَهُ مِنهَا.

فِي ذاتِ يومٍ جَاءَتِ امرأةٌ إلى عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟» فَقَالَتْ: «أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟!» قالتْ: «لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ»، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ!»صحيح البخاري (٣٤٠١)، وصحيح مسلم (٢٦٦١)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. (٤).

إنَّ مِنَ المعلومِ تيسيرَ اللهِ على النَّساءِ فِي بعضِ الأحكامِ مراعاةً لَهُنَّ، ومِن ذلكَ أنَّهُ لَمْ يوجِبْ عليهِنَّ الصَّلاةَ والصَّومَ حالَ الحيضِ، إلَّا أنَّهُ أوجَبَ عليهِنَّ عِندَ الطُّهرِ قضاءَ الصَّومِ دونَ الصَّلاةِ، لأنَّ الصَّلاةَ تتكرَّرُ وتكثُرُ فكانَ فِي إيجابِ قضائِها مشقةٌ وحَرَجٌ بخلافِ الصَّومِ، ومعَ ذلكَ أرادتْ أمُّ المؤمنِينَ عائشةُ الفقيهةُ العالِمةُ أنْ تُعلّمَنَا التسليمَ لحكمِ اللهِ، حَتَّى لَوْ غَابَتْ عَنَّا الحكمةُ؛ إيمانًا بأنَّ الذِي فَرَضَ وشَرَعَ وحَكَمَ هُوَ الحكيمُ العليمُ، القائلُ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ‌وَهُمْ ‌يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].

اللهمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعزَّ المُسْلِمِينَ، وأهلِكِ الكفَرةَ المجرمين، والمبطِلينَ المعتَدِين، اللهمَّ وأنزلِ السَّكينةَ في قلوبِ المُؤمنِين، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.

اللّهُمَّ كُفَّ أَيدِيَ الظَّالِـمِينَ عَنَّا، واجعَل لَنَا مِن لدُنكَ وَلِيًّا واجعَل لَنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا.

اللّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: