عنوان الخطبة: سُؤَالُ الخَلقِ يَومَ القِيَامَةِ
عناصر الخطبة:
١-حَتمِيَّةُ السُّؤَالِ وَالحِسَابِ
٢- أَصنَافُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ فِي الحِسَابِ
٣- عَن أَيِّ شَيءٍ يَكُونُ الحِسَابُ
٤- «حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا»
الحَمدُ لِلَّهِ جَامِعِ النَّاسِ لِيَومِ الحِسَابِ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوبِ شَدِيدِ العِقَابِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عَبدَ اللهِ:
أَتَدرِي مَا أَخطَرُ نِسيَانٍ يُهَدِّدُ حَيَاةَ الإِنسَانِ؟
إِلَيكَ الجَوَابُ:
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «يُؤْتَى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَيْ فُلُ! (يعني: يا فلان!) أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟! فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي»صحيح مسلم (٢٩٦٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١).
إِنَّهُ نِسيَانُ لِقَاءِ اللهِ، نِسيَانُ الحِسَابِ.
لَقَد وَصَّى اللهُ نَبِيَّهُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦].
عِبَادَ اللهِ:
وَاللهِ إِنَّنَا لَمَجمُوعُونَ لِمِيقَاتِ يَومٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ إِنَّنَا لَمُحَاسَبُونَ، لَقَد أَقسَمَ اللهُ فَقَالَ: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢-٩٣].
إِنَّهُ السُّؤَالُ مِن رَبِّ العِزَّةِ لِكُلِّ عَبدٍ مِنَّا، فَهُوَ القَائِلُ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٢-٢٤].
سَوفَ يَسأَلُ اللهُ الرُّسُلَ وَيَسأَلُ الأُمَمَ، يَسأَلُ وَهُوَ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، يَسأَلُ الرُّسُلَ: هَل بَلَّغُوا أَقوَامَهُم رِسَالَةَ رَبِّهِم؟ وَبِمَاذَا أَجَابَهُمُ النَّاسُ؟
أَلَم تَقرَأْ قَولَهُ تَعَالَى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٦-٧].
أَلَم تَسمَعْ قَولَهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١٠٩].
يقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لاَ، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، وَالوَسَطُ: العَدْلُ»صحيح البخاري (٣٣٣٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (٢).
هَا هُوَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي قَامَ بِدَعوَةِ التَّوحِيدِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللهِ! ، أَلَّهَهُ النَّاسُ بَعدَمَا رَفَعَهُ اللهُ إِلَيهِ وَغَيَّرُوا دِينَهُ وَمِلَّتَهُ، يَسأَلُهُ اللهُ وَهُوَ يَعلَمُ ذَلِكَ، قَالَ سُبحَانَهُ: وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: ١١٦-١١٧].
بَل حَتَّى نَبِيُّنَا خَلِيلُ الرَّحمَنِ مُحَمَّدٌ ﷺ يَقُولُ عَن نَفسِهِ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي دَاعِيَّ، وَإِنَّهُ سَائِلِي: هَلْ بَلَّغْتَ عِبَادِي؟»مسند أحمد (٢٠٠٣٧)، من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧١٣). (٣).
مَا أَعظَمَ يَومَ الحِسَابِ! إِنَّهُ يَومُ الجَزَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الرَّحمَةِ وَالعَدلِ، لَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا، يُنَادَى فِيهِ: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧].
وَمِن رَحمَةِ اللهِ يَومَ الحِسَابِ أَنَّ قَومًا سَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، أَفلَا تَرجُو أَن تَكُونَ مِنهُم؟
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»صحيح البخاري (٦٤٧٢)، وصحيح مسلم (٢٢٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤).
لَعَلَّكَ تَقُولُ: قَد سبَقَنا الصَّحَابَةُ وَالمُتَّقُونَ إلى ذَاكَ الفَضلِ واستأثَرُوا به؟!
فإِلَيكَ البُشرَى أَيُّهَا المُستَرشِدُ، إِذ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ: سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِهِ»جامع الترمذي (٢٤٣٧)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/٥٤١). (٥).
دُونَكَ العَمَلَ، التَّوحِيدَ الخَالِصَ، تَوحِيدَ عَبدٍ لا يَتَعَلَّقُ قَلبُهُ إِلَّا بِرَبِّهِ، مَحَبَّةً وَخَوفًا وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا.
إِنَّ مِن رَحمَةِ اللهِ يَومَ الحِسَابِ أَنَّهُ يُحَاسِبُ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ حِسَابًا يَسِيرًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللهُ كِتَابَهُم بِأَيمَانِهِم.
قَالَ تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق: ٧-٩].
أَتَدرِي مَا الحِسَابُ اليَسِيرُ؟
فِي ذَاتِ يَومٍ سَمِعَت أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ!» فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ؟! قَالَ: «ذَاكِ العَرْضُ؛ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ هَلَكَ»صحيح البخاري (٤٩٣٩)، وصحيح مسلم (٢٨٧٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٦).
وَمَعنَى العَرضِ -كَمَا قَالَ ﷺ-: «أَنْ يُنْظَرَ فِي كِتَابِهِ، فَيُتَجَاوَزَ عَنْهُ»مسند أحمد (٢٤٢١٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وحسنه الألباني في أصل صفة الصلاة (٣/١٠٠٧). (٧).
إِنَّهُ الكَرِيمُ الَّذِي لَا يَستَقصِي عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ، إِنَّمَا يُقَرِّرُهُم بِبَعضِ ذُنُوبِهِم، ثُمَّ يَتَجَاوَزُ عَنهُم بِرَحمَتِهِ وَكَرَمِهِ، أُولَئِكَ أَصحَابُ اليَمِينِ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنهُم.
وَلَعَلَّكَ تَسأَلُ: عَمَّ يَسأَلُنَا اللهُ يَومَ القِيَامَةِ؟
يُجِيبُكَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَقُولُ: «سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ»صحيح البخاري (٤٤٠٦)، وصحيح مسلم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (٨).
إِنَّ اللهَ سَائِلُنَا عَن أَعمَالِنَا الصَّالِحَةِ، هَل أَخلَصنَا فِيهَا لَهُ أَم كَانَت لِغَيرِهِ؟ فَإِنَّهُ أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ، وَلِذَا أَوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الـمُرَائِينَ، أَعمَالُهُم عَظِيمَةٌ لَكِنَّهَا لَم تَكُن لِلَّهِ، يُحَاسِبُهُمُ اللهُ عَنهَا فَيَكْذِبُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهَا كَانَت لِلَّهِ، فَتَكُونُ النِّهَايَةُ كَمَا قَالَ ﷺ: «ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»صحيح مسلم (١٩٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٩).
يَسأَلُنَا اللهُ عَن أَعمَالِنَا الصَّالِحَةِ هَل أدَّيناها كَمَا أَمَرَ، أهِيَ تَامَّةٌ أَم نَاقِصَةٌ؟ أكَانَت صَحِيحَةً أَم عَلَى غَيرِ هَديِ النَّبِيِّ ﷺ؟
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ»، قَالَ: «يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ»سنن أبي داود (٨٦٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥٨). (١٠).
يَسأَلُنَا اللهُ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أَعطَانَا إِيَّاهَا، حَتَّى المَاءَ البَارِدَ، أأَخَذنَاهَا مِن حَلَالٍ أَم مِن حَرَامٍ؟ هَل أَنفَقنَاهَا فِيمَا يُرضِيهِ؟ هَل أَدَّينَا شُكرَهَا؟
أَلَم تَقرَأْ قَولَهُ تَعَالَى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨].
أَلَم تَقرَأْ قَولَهُ سُبحَانَهُ: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦].
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟»جامع الترمذي (٢٤١٧)، من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤٦). (١١).
ويَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ -يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ- أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ؟ وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ؟»جامع الترمذي (٣٣٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٣٩). (١٢).
نُسأَلُ يَومَ القِيَامَةِ عَن تِلكَ الأَمَانَاتِ وَالمَسؤولِيَّاتِ الَّتِي كُلِّفنَا بِهَا وَائتَمَنَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَالنَّاسُ عَلَيهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»صحيح البخاري (٨٩٣)، وصحيح مسلم (١٨٢٩)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (١٣).
كُلٌّ يُسأَلُ: أَحَفِظَ أَم ضَيَّعَ؟ أأَدَّى الأَمَانَةَ أَم خَانَهَا؟ الرَّاعِي وَالرَّاعِيَةُ، لَا مُحَابَاةَ لِأَحَدٍ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الله سَائلٌ كلَّ رَاعٍ عَمَّا استرعاه؛ حفِظَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيته»السنن الكبرى للنسائي (٩١٢٩)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٣٦). (١٤).
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ»سنن ابن ماجه (٤٢٥٩)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٨٤). (١٥).
المُؤمِنُ الكَيِّسُ هُوَ مَن يُحَاسِبُ نَفسَهُ فِي الدُّنيَا قَبلَ أَن يُحَاسِبَهُ رَبُّهُ، يَنظُرُ فِي عَمَلِهِ الصَّالِحِ أَهُوَ لِلَّهِ أَم لِغَيرِهِ؟ أَهُوَ عَلَى هَديِ النَّبِيِّ ﷺ أَم عَلَى سُبُلِ أَهلِ المُحدَثَاتِ وَالبِدَعِ؟
يُحَاسِبُ نَفسَهُ عَلَى تَقصِيرِهِ فَيَتُوبُ إِلَى رَبِّهِ، يَنظُرُ هَل أَدَّى شُكرَ النِّعَمِ؟ يُحَاسِبُ نَفسَهُ عَلَى مَا استَأمَنَهُ اللهُ عَلَيهِ، أأَدَّى أَم فَرَّطَ؟ بِهَذَا يَسهُلُ حِسَابُهُ يَومَ القِيَامَةِ.
اللهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمَّ كُن لِإِخوَانِنَا المُستَضعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاكتُب لَهُم نَصرًا وَفَرَجًا قَرِيبًا.
عِبَادَ اللهِ: اُذكُرُوا اللهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







