خطبة: محكَمٌ ومتشابِه

خطبة: محكَمٌ ومتشابِه

عنوان الخطبة: محكَمٌ ومتشابِه

عناصر الخطبة:

١- القرآنُ محكَمٌ ومُتَشَابِه

٢- سَبِيلُ الزَّائِغِين

٣- سَبِيلُ الرَّاسِخِينَ والمؤمِنِين

٤- السُّنَّة بيانٌ للقرآنِ وإيضاحٌ لِمُشْكِلِه

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحكَمَ آيَاتِ كِتَابِهِ، فَجَعَلَهُ فُرقَانًا بَينَ بَاطِلِ القَولِ وَصَوَابِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

أَيُمكِنُ أَن يُؤتَى الإِنسَانُ سِرَاجًا مُنِيرًا لِيَخرُجَ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ فَيَزدَادَ بِهِ ظَلَامًا وَضَلَالًا؟

أَيُمكِنُ أَن يَأخُذَ المَرِيضُ دَوَاءَ عِلَّتِهِ لِيَنجُوَ وَيُشفَى فَيَزدَادَ بِهِ مَرَضًا وَهَلَاكًا؟

لَا أَعظَمَ نُورًا، وَلَا أَتَمَّ هِدَايَةً، وَلَا أَنفَعَ شِفَاءً مِنَ القُرآنِ العَظِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنزَلَهُ نُورًا وَهُدًى وَشِفَاءً لِلنَّاسِ، يُخرِجُهُم بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، إِلَّا أَنَّ بَعضَ النَّاسِ لَمَّا جَاءَهُمُ القُرآنُ لَم يَزدَادُوا بِهِ إِلَّا ظَلَامًا وَضَلَالًا وَمَرَضًا.

أَينَ العِلَّةُ؟ وَكَيفَ كَانَ ذَلِكَ؟

قَالَ تَعَالَى وَاصِفًا كِتَابَهُ: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤].

وقال سبحانه: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤ -١٢٥].

إِنَّ المُؤمِنَ الَّذِي آمَنَ بِأَنَّ القُرآنَ كَلَامُ اللَّهِ الحَقُّ، الَّذِي لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ، جعلَ القُرآنَ إِمَامَهُ وَسَبِيلَ هُدَاهُ، فَاستَسلَمَ لَهُ وَتَحَاكَمَ إِلَيهِ، فَازدَادَ بِإِيمَانِهِ بِهِ رَحمَةً وَنُورًا وَشِفَاءً، وَأَمَّا المُنَافِقُ الَّذِي لَم يُؤمِن بِكِتَابِ اللَّهِ حَقًّا، إِنَّمَا مَرِضَ قلبُهُ بِاتِّبَاعِ الهَوَى، فَلَمَّا جَاءَتهُ أَنوَارُ القُرآنِ آثَرَ العَمَى عَلَى الهُدَى، فَلَم يَزدَد بِالقُرآنِ إِلَّا ضَلَالًا.

لَكِن، أَتُرَى أنَّ الأَمرَ تَوَقَّفَ عِندَ ضَلَالِهِ؟ كَلَّا، بَل صَارَ مَعَ ذَلِكَ مُضِلًّا، وَبِكِتَابِ اللَّهِ.

كَيفَ يُمكِنُ لِأَهلِ الضَّلَالَةِ أَن يُضِلُّوا النَّاسَ بِكِتَابِ اللَّهِ؟

لَقَد أَخبَرَنَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ ‌مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا ‌تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧].

تَلَا النَّبِيُّ ﷺ هذه الآية يَومًا، ثُمَّ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ» صحيح البخاري (٤٥٤٧)، وصحيح مسلم (٢٦٦٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (١).

مَا قِصَّةُ هَؤُلَاءِ، وَكَيفَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنَ القُرآنِ لِيَفتِنُوا النَّاسَ عَن دِينِهِم؟

إِنَّ اللَّهَ أَنزَلَ كِتَابًا أُحكِمَت آيَاتُهُ، تَمَّت صِدقًا وَعَدلًا، أَنزَلَهُ سُبحَانَهُ كِتَابَ هُدًى، آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَاضِحَاتٍ؛ لِأَنَّ الغَايَةَ مِنهُ هِدَايَةُ النَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قد اقتَضَت حِكمَتُهُ أَن يَجعَلَ أَكثَرَ القُرآنِ آيَاتٍ وَاضِحَاتِ المَعنَى بِلَا إِشكَالٍ أَوِ التِبَاسٍ، فَلَا يُفهَمُ مِنهَا إِلَّا المَعنَى الظَّاهِرُ الوَاضِحُ البَيِّنُ، لَا يَختَلِفُ عَلَيهَا أَحَدٌ، وَتِلكَ الآيَاتُ هِيَ الآيَاتُ المُحكَمَاتُ أُمُّ الكِتَابِ وَأَصلُهُ، وَجَعَلَ سُبحَانَهُ بَعضَ الآيَاتِ تَحتَمِلُ فِيمَا تَدُلُّ عَلَيهِ أَكثَرَ مِن مَعنًى، وَالِاشتِبَاهُ وَاقِعٌ فِيهَا، وَلَا يَتَّضِحُ المَعنَى الحَقُّ مِنهَا إِلَّا بِالنَّظَرِ فِيهَا وَفَهمِهَا فِي ضَوءِ الآيَاتِ الأُخرَى، وَهُوَ أَمرٌ يُحسِنُهُ أَهلُ العِلمِ وَالنَّظَرِ، وَتِلكَ هِيَ الآيَاتُ المُتَشَابِهَاتُ.

فَمَاذَا فَعَلَ أَهلُ الحَقِّ فِي تِلكَ الآيَاتِ، وَمَاذَا فَعَلَ أَهلُ الزَّيغِ؟

أَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ، فَإِنَّهُم بِمَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ وَفَقَّهَهُم فِي كِتَابِهِ وَدِينِهِ لَا تَلتَبِسُ عَلَيهِم جَمِيعًا مَعَانِي آيَاتِ القُرآنِ، إِذ لَا يَخلُو زَمَانٌ مِن عُلَمَاءَ رَبَّانِيِّينَ قَائِمِينَ لِلَّهِ بِالحُجَّةِ وَالبَيَانِ، فَرَدُّوا مَا اشتَبَهَ عَلَيهِم إِلَى المُحكَمِ مِنَ الآيَاتِ، وَفَهِمُوهُ فِي ضَوئِهِ، لِأَنَّ القُرآنَ جَمِيعُهُ مِن عِندِ اللَّهِ، وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلَافًا كَثِيرًا، فَسَلَّمُوا وَقَالُوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا .

أَمَّا أَهلُ الأَهوَاءِ وَأَصحَابُ الضَّلَالَةِ، فَإِنَّهُم يَستَغِلُّونَ تِلكَ الآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِمَنأًى عَنِ المُحكَمَاتِ، لِيَلبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَلِيَهدِمُوا -زَعمًا- دِينَ اللَّهِ.

وَلَقَد أَخبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَنهُم فَقَالَ: «هَلَاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الكِتَابُ وَاللَّبَنُ؟ قَالَ: «يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ فَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُحِبُّونَ اللَّبَنَ فَيَدَعُونَ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعَ وَيَبْدُونَ» المسند (١٧٤١٥)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٧٨). (٢).

تَرَى أَحَدَهُم يُجَادِلُ فِي مُحكَمَاتِ الدِّينِ الَّتِي أَجمَعَت عَلَيهَا الأُمَّةُ؛ مُحتَجًّا بِالقُرآنِ، فَيَظُنُّ المُستَمِعُ أَنَّهُ يَقصِدُ خَيرًا، وَمَا هُوَ إِلَّا شَيطَانٌ مُضِلٌّ فِي مِسلَاخِ بَشَرٍ، وَلِذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ لزِيَادِ بنِ حُدَيرٍ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلاَمَ؟» قَالَ: لا، قَالَ عمر رضي الله عنه: «يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ» سنن الدارمي (٢٢٠)، من طريق زياد بن حدير، وصححه الألباني في صحيح المشكاة (٧٢). (٣).

سَتَسمَعُ مِنهم مَن يَستَدِلُّ بِقَولِ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، عَلَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ؛ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، إذا ما أَقَرُّوا بِوُجُودِ اللَّهِ، وَيَترُكُونَ الآيَاتِ المُحكَمَةَ القَطعِيَّةَ الَّتِي تَشتَرِطُ تَوحِيدَ اللَّهِ وَالإِسلَامَ لَهُ، وَالإِيمَانَ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].

عَلَى أَنَّ الآيَةَ لَيسَ مَعنَاهَا كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ المُحَرِّفُونَ، وَإِنَّمَا مَعنَاهَا أَنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَسَائِرِ أَركَانِ الإِيمَانِ -وَمِن ذَلِكَ الرُّسُلُ- وَعَمِلَ صَالِحًا -فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ- فَإِيمَانُهُ مَقبُولٌ عِندَ اللَّهِ، بَل مَن كَفَرَ بِرَسُولٍ وَاحِدٍ فَقَد كَفَرَ بِاللَّهِ الَّذِي أَرسَلَهُ، وَلَا يَكُونُ مُؤمِنًا بِاللَّهِ أَصلًا.

وَتَسمَعُ أَحَدَهُم يُرِيدُ أَن يُسَوِّغَ الشِّركَ بِاللَّهِ بِالِاستِغَاثَةِ بِالأَموَاتِ وَالغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، قَائِلًا: أَلَم يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى عَن أَصحَابِ الكَهفِ: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف: ٢١]؟! تَارِكًا الآيَاتِ المُحكَمَاتِ الَّتِي اجتَثَّت دَاءَ الشِّركِ مِنَ القُلُوبِ، عَلَى أَن الآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى إِفكِهِم، بَل تدلُّ على أَنَّ أَصحَابَ الغَلَبَةِ وَالسُّلطَانِ هُم مَن فَعَلُوا ذَلِكَ، لَا أَهلَ الإِسلَامِ وَالهُدَى.

ثُمَّ أَلَم يُخبِرْنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ اللَّهَ لَعَنَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»؟ صحيح البخاري (٤٣٥)، وصحيح مسلم (٥٢٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٤).

مَا أَكثَرَ ضَلَالَاتِهِم، إِلَّا أَنَّ المُسلِمَ إِن قَرَأَ شَيئًا مِن كِتَابِ اللَّهِ فَاشتَبَهَ عَلَيهِ، أَو ظَنَّ تَعَارُضَهُ معَ آيَةٍ أخرى أَو معَ حُكمٍ آخَرَ، أَو سَمِعَ مِن أَحَدِ أَبوَاقِ الضَّلَالَةِ مَا يُعَارِضُ مُحكَمَاتِ القُرآنِ، فَعَلَيهِ أَوَّلًا أَن يُؤمِنَ بِالقُرآنِ كُلِّهِ، ثُمَّ يَرُدَّ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحكَمِ الَّذِي لَا التِبَاسَ فِيهِ، فَإِنَّهُ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُرَاجِعَ أَهلَ العِلمِ الرَّاسِخِينَ لِيُبَيِّنُوا لَهُ وَجهَ التَّشَابُهِ، وَيُفَصِّلُوا الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ.

هَذَا المَنهَجُ عَلَّمَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ يَومًا بَعضَ النَّاسِ يَضرِبُ آيَاتِ القُرآنِ بَعضَهَا بِبَعضٍ، قَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا لَا، فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» المسند (٦٧٤١)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (٢٣٧). (٥).

وَاستَقَرَّ هَذَا المَنهَجُ فِي أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُوصُونَ بِهِ مَن بَعدَهُم.

فَهَذَا مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، يَقُولُ: «القرآن حقٌّ، عليه منارٌ كمنار الطريق، لا يخفى على أحد، فما عرَفتم فخذوه، وما أنكرتم فكِلوا علمَه إلى عالِمِه» الزهد لأبي داود (١٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/٩٧)، وإسناده صحيح. (٦).

وَهَذَا ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما، لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَن بَعضِ الآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيَّنَ لَهُ مُحكَمَهَا، ثُمَّ وَصَّاهُ قَائِلًا: «اعْلَمْ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَشْبَاهُ مَا حَدَّثْتُكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا إِلَّا قَدْ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ، فَلَا يَخْتَلِفَنَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كَلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» الأسماء والصفات للبيهقي (٨٠٩)، بإسناد صحيح. (٧).

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

إِنَّ اللَّهَ لَم يَدَع لِأَحَدٍ حُجَّةً عَلَيهِ، فَمَنِ اهتَدَى فَبِفَضلِهِ، وَمَن زَاغَ أَزَاغَ اللَّهُ قَلبَهُ، وَلَقَد وَضَعَ اللَّهُ لَنَا قَوَاعِدَ الِاهتِدَاءِ، وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ سُبحَانَهُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].

إِن كَانَت فِي القُرآنِ آيَاتٌ مُجمَلَةٌ ذَاتُ وُجُوهٍ فِي المَعنَى، فَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ تَفسِيرُهَا وَإِيضَاحُ إِشكَالِهَا، وَلِذَا وَرَدَ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ» الشريعة للآجري (١٠٢)، من طريق بكير بن الأشج عنه. (٨).

فَمَا مِن مُبطِلٍ اتَّخَذَ آيَةً مُجمَلَةً سَبِيلًا لِفِتنَةِ النَّاسِ إِلَّا وَفِي غَيرِهَا مِن مُحكَمَاتِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ بَيَانُ مَا أُجمِلَ، وَإِيضَاحُ مَا أَشكَلَ.

وَلِذَلِكَ حَرَصَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى إِسقَاطِ السُّنَّةِ وَالطَّعنِ فِيهَا، لِيَسلَمَ لَهُمُ الجِدَالُ بِمُتَشَابِهِ القُرآنِ، وَأَنَّى لَهُم ذَلِكَ وَفِي الأُمَّةِ مَا غَرَسَ اللَّهُ لِدِينِهِ كُلَّ زَمَانٍ مِنَ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، يَنفُونَ عَنهُ تَحرِيفَ المُبطِلِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

شارك المحتوى: