عنوان الخطبة: وثقِّل مِيزاني
عناصر الخطبة:
١- الإيمان بالميزان يوم القيامة
٢- ما الذي يوزَن؟
٣- كيف يثقُلُ ميزانُك يوم القيامة؟
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي عِندَهُ حُسنُ المَآبِ، يَغفِرُ لِكُلِّ تَائِبٍ أَوَّابٍ، وَيَجزِي المُحسِنَ عَظِيمَ الثَّوَابِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا أَخَذَ مَضجَعَهُ مِنَ اللَّيلِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبِي، وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي، وَفُكَّ رِهَانِي، وَثَقِّلْ مِيزَانِي، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى» شرح مشكل الآثار (١١٢)، من حديث أبي الأزهر الأنماري رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٦٤٩). (١).
دَعَوَاتٌ مُبَارَكَاتٌ، يَدعُو النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ بِهَا كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ نَومِهِ، وَحَدِيثُنَا عَن دَعوَةٍ مِنهَا، وَهِيَ قَولُهُ ﷺ: «وَثَقِّلْ مِيزَانِي».
إِنَّ يَومَ القِيَامَةِ يَومٌ عَظِيمُ الأَهوَالِ، إِلَّا أَنَّهُ حَسَنُ العَاقِبَةِ وَالمَآلِ عَلَى أَهلِ الإِيمَانِ وَصَالِحِ الأَعمَالِ، وَمِن أَهوَالِهِ العُظمَى: المِيزَانُ.
إِنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ، لَهُ كِفَّتَانِ، عَظِيمُ القَدرِ، لَا يَعلَمُ عَظَمَتَهُ وَسَعَتَهُ إِلَّا اللَّهُ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوُسِعَتْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ: لِمَنْ يَزِنُ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» المستدرك (٨٧٣٩)، من حديث سلمان رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤١). (٢).
فَالإِيمَانُ بِالمِيزَانِ مِن وَاجِبِ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ، وَمُنكِرُوهُ مِن أَهلِ الزَّيغِ والضَّلَالِ.
وَقَد جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِابنِ حِبَّانَ مِن حَدِيثِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، عِندَمَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟» قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْمِيزَانِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: فَإِذَا فَعَلتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُؤمِنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»صحيح ابن حبان (١٧٣)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن صحيح البخاري (٦٤٠٦)، وصحيح مسلم (٢٦٩٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٦). (٣).
هَذَا المِيزَانُ تُوزَنُ فِيهِ أَعمَالُ العِبَادِ وَصَحَائِفُهُم، فَمِنَ النَّاسِ مُفلِحٌ تَثقُلُ مَوَازِينُهُ، وَمِنهُم خَاسِرٌ تَخِفُّ مَوَازِينُهُ.
قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠١-١٠٣].
إِنَّهُ وَزْنٌ بِالحَقِّ وَالعَدلِ، فَلَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا، فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ يَجِدْهَا مُضَاعَفَةً رَحمَةً وَفَضلًا، وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ يَجِدْهَا كَمَا هِيَ جَزَاءً وَعَدلًا.
قَالَ تَعَالَى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].
وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠].
إِنَّ هَذَا العَبدَ الَّذِي تَرَجَّحَت كِفَّةُ سَيِّئَاتِهِ عَلَى حَسَنَاتِهِ لَم يَظلِمهُ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ مَن ظَلَمَ نَفسَهُ. لَقَد كَانَ جَزَاءُ اللَّهِ غَايَةً فِي الفَضلِ وَالرَّحمَةِ، الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثلِهَا، وَيَعفُو وَيَغفِرُ.
أَلَم يُخبِرنَا نَبِيُّنَا ﷺ فِيمَا يَروِي عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً»، وفي رواية: «وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ» صحيح البخاري (٦٤٩١)، وصحيح مسلم (١٣١)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٤).
إِنَّ رَبَّنَا الشَّكُورَ، يَجزِي عَلَى العَمَلِ اليَسِيرِ الأَجرَ الجَزِيلَ، بِإِخلَاصِكَ لِلَّهِ وَاتِّبَاعِكَ لِرَسُولِهِ ﷺ.
إِنَّ تَمرَةً وَاحِدَةً تَتَصَدَّقُ بِهَا مِن مَالٍ طَيِّبٍ، خَالِصَةً لِوَجهِ اللَّهِ، تَكُونُ فِي مِيزَانِكَ عَظِيمَةً جِدًّا.
قَالَ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» صحيح البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٥).
وَلَعَلَّكَ تَسأَلُ الآنَ: وَكَيفَ يَثقُلُ مِيزَانِي يَومَ القِيَامَةِ؟
اعلَم -عَبدَ اللَّهِ- أَنَّ مِيزَانَ العَبدِ يَثقُلُ أَوَّلًا وَآخِرًا بِرَحمَةِ اللَّهِ وَفَضلِهِ، فَمِنهُ وَإِلَيهِ الخَيرُ كُلُّهُ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ أَهلِ الجَنَّةِ لِرَبِّهِمُ البَرِّ الرَّحِيمِ، إِذ يُثنُونَ عَلَى رَبِّهِم وَهُم فِي رَوضَاتِ الجَنَّاتِ قَائِلِينَ: «أَلَم يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنَا؟!».
في ذاتِ يوم تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَقَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُنْجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ -يَعْنِي: إِلَيْهِ- وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ» سنن ابن ماجه (١٨٧)، من حديث صهيب رضي الله عنه، وصححه الألباني في تخريجه على شرح الطحاوية (رقم ١٦١). (٦).
فَلَا عَجَبَ أَن كَانَ مِن دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ - كَمَا سَبَقَ-: «وَثَقِّلْ مِيزَانِي».
ثُمَّ اعلَم أَنَّ أَعظَمَ مَا يُثَقِّلُ مِيزَانَ العَبدِ إِيمَانُهُ بِرَبِّهِ، ذَاكَ الإِيمَانُ الَّذِي يَكُونُ لَدَى بَعضِ النَّاسِ مِثقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَدَى آخَرِينَ كَأَمثَالِ الجِبَالِ، حَتَّى يَكُونَ العَبدُ عِندَ اللَّهِ أَعظَمَ وَزنًا مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ.
فِي ذَاتِ يَومٍ كَانَ عبدُ الله بنُ مَسعُودٍ يَجتَنِي سِوَاكًا، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَينِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكفَؤُهُ، فَضَحِكَ القَومُ مِنهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مِن دِقَّةِ سَاقَيهِ! فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» مسند أحمد (٣٩٩١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٠). (٧).
إِنَّهُ الإِيمَانُ، وَأَصلُهُ الأَعظَمُ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ، الَّتِي هِيَ أَثقَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، إِقرَارُكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحدَهُ الإِلَهُ الحَقُّ الَّذِي يَستَحِقُّ وَحدَهُ العِبَادَةَ وَالخُضُوعَ وَالتَّألِيهَ، وَكُلُّ إِلَهٍ اتَّخَذَهُ الخَلقُ سِوَاهُ بَاطِلٌ.
لَقَد وَصَّى بِهَا نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ ابنَهُ، فَقَالَ: «آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبعَ، وَالأَرَضِينَ السَّبعَ، لَو وُضِعَت فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَت لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَت بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مسند أحمد (٦٥٨٣)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٤). (٨).
انظُر إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي صَدَقَ فِي تَوحِيدِهِ لِرَبِّهِ، فَلَم يُشرِك بِهِ شَيئًا، كَيفَ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ.
يَقُولُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ! قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» جامع الترمذي (٢٦٣٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥). (٩).
أَمَّا الكَافِرُ فَلَا وَزنَ لَهُ عِندَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا إِيمَانَ لَهُ، فَعَمَلُهُ كَالهَبَاءِ المَنثُورِ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَؤوا: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]» صحيح البخاري (٤٧٢٩)، وصحيح مسلم (٢٧٨٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٠).
إِنَّهُ الإِيمَانُ الَّذِي بِهِ تَتَفَاضَلُ الأَعمَالُ، فَقَد تَرَى العَمَلَ الوَاحِدَ فِي الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنَّ الفَرقَ بَينَ عَمَلِ هَذَا وَذَاكَ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ.
أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»، قَالُوا: وَكَيفَ؟ قَالَ: «كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا» سنن النسائي (٢٥٢٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (١١٩) (١١).
انظُر كَيفَ سَبَقَ دِرهَمٌ عِندَ اللَّهِ مِائَةَ أَلفِ دِرهَمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي تَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ تَصَدَّقَ بِنِصفِ مَالِهِ، فَكَيفَ كَانَ إِيمَانُهُ وَيَقِينُهُ بِرَبِّهِ، وَكَيفَ جَاهَدَ نَفسَهُ فَآثَرَ اللَّهَ عَلَى مَن سِوَاهُ. أَمَّا الآخَرُ فَقَد تَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلفٍ، نَعَم، إِلَّا أَنَّهُ لَم يَبذُل مِنَ المُجَاهَدَةِ وَالإِيثَارِ مَا بَذَلَهُ الأَوَّلُ.
وَهَذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي جَعَلَ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ الأَوَّلَ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم، وَالأَعظَمَ فَضلًا، بِالإِيمَانِ الَّذِي وَقَرَ فِي قَلبِهِ كَالجِبَالِ.
يَقُولُ عُمَرُ الفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ» فضائل الصحابة للإمام أحمد (٦٥٣)، وصححه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٣/٧٧٠). (١٢).
ثُمَّ اعلَم أَنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُثَقِّلُ اللَّهُ بِهِ مِيزَانَ العَبدِ يَومَ القِيَامَةِ الخُلُقَ الحَسَنَ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» سنن أبي داود (٤٧٩٩)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٧٦). (١٣).
العَدلُ وَالإِحسَانُ، وَالوَفَاءُ وَحُسنُ العَهدِ، وَالصِّدقُ وَالأَمَانَةُ، وَالإِيثَارُ وَالكَرَمُ، وَالعَفوُ وَالصَّفحُ، وَاللِّينُ وَالسَّمَاحَةُ، وَالمُرُوءَةُ وَالتَّوَاضُعُ، وَكُلُّ خُلُقٍ طَيِّبٍ دَعَا إِلَيهِ الإِسلَامُ، تَخَلَّقتَ بِهِ وَعَامَلتَ بِهِ النَّاسَ، يُثَقِّلِ اللَّهُ بِهِ مِيزَانَكَ يَومَ القِيَامَةِ.
ثُمَّ إِنَّ المُسلِمَ يَحرِصُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ ضَاعَفَ اللَّهُ الثَّوَابَ عَلَيهِ لِيُثَقِّلَ بِهِ مِيزَانَهُ، وَمِن أَعظَمِ تِلكَ الأَعمَالِ وَأَيسَرِهَا ذِكرُ اللَّهِ تَعَالَى.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» صحيح مسلم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. (١٤).
وقال ﷺ: «لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ» مسند أحمد (١٥٦٦٢)، من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٠٤) (١٥).
لِذَلِكَ أَكثِر مِن ذِكرِ اللَّهِ، وَخَاصَّةً: «سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، وَسُبحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ»، فَإِنَّهُمَا - كَمَا أَخبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-: «خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ» صحيح البخاري (٦٤٠٦)، وصحيح مسلم (٢٦٩٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٦).
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
طُوبَى لِعَبدٍ دَلَّ النَّاسَ عَلَى الخَيرِ، فَكَانَت أَعمَالُهُم فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ، وَوَيلٌ لِعَبدٍ دَلَّ النَّاسَ عَلَى الشَّرِّ، فَكَانَت سَيِّئَاتُهُم فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» صحيح مسلم (٢٦٧٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٧).
فَاحرِص عَبدَ اللَّهِ عَلَى أَثَرٍ طَيِّبٍ يَبقَى لَكَ بَعدَ مَوتِكَ، فَلَا يَنقَطِعُ بِهِ أَجرُكَ.
اللهُمَّ اغفِر ذَنوبَنا وَفُكَّ رِهَانَنا وَثَقِّل مَوازِينَنا وَاجعَلنَا فِي النَّدِيِّ الأَعلَى.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







