عنوان الخطبة: دِينُ الإسلامِ دينُ الطهارةِ
عناصر الخطبة:
١- دِينُنَا دِينُ الطَّهارةِ
٢- الأمرُ بالطَّهارةِ والنَّهيُ عن النَّجاساتِ
٣- تشريعُ ما يحقِّق النَّظافةَ العامَّةَ والخَاصَّةَ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا دِينَهُ، وَأَتَمَّ عَلَينَا نِعمَتَهُ، وَرَضِيَ لَنَا الإِسلَامَ دِينًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا شَمِمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا، وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» صحيح البخاري (١٩٧٣)، وصحيح مسلم (٢٣٣٠)، من حديث أنس رضي الله عنه. (١).
إِنَّ مِن أَسمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الطَّيِّبَ، وَالقُدُّوسَ السَّلَامَ، فَاللَّهُ يُحِبُّ الطَّيِّبَاتِ، وَيَكرَهُ الخَبَائِثَ، وَلِذَلِكَ اصطَفَى لَنَا نَبِيًّا طَيِّبًا طَاهِرًا، يُحِبُّ الطِّيبَ وَالطُّهرَ، وَشَرَعَ لَنَا دِينًا طَيِّبًا، شَطرُهُ الطَّهَارَةُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» صحيح مسلم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. (٢).
دِينُنَا قَائِمٌ عَلَى طَهَارَةِ المُعتَقَدِ مِنَ الشِّركِ وَالأَوثَانِ، وَطَهَارَةِ القَلبِ وَالعَمَلِ مِنَ الضَّغَائِنِ وَالآثَامِ، وَطَهَارَةِ المَطعَمِ مِنَ الخَبَائِثِ وَالحَرَامِ، وَطَهَارَةِ الجَسَدِ وَالثِّيَابِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالأَدرَانِ.
وَقَد أَخبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُحِبُّ أَهلَ الطَّهَارَتَينِ المَعنَوِيَّةِ وَالحِسِّيَّةِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢].
وَشَرَعَ سُبحَانَهُ مَا مِن شَأنِهِ أَن يَجعَلَ المُسلِمَ طَاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا، فِي نَفسِهِ وَثَوبِهِ وَشَأنِهِ كُلِّهِ.
فَفَرَضَ سُبحَانَهُ عَلَى المُسلِمِ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، وَأَوجَبَ وَاشتَرَطَ لِأَجلِهَا الطَّهَارَةَ، بِأَن يَغتَسِلَ مِنَ الحَدَثِ الأَكبَرِ كَالجَنَابَةِ، وَيَتَوَضَّأَ مِنَ الحَدَثِ الأَصغَرِ كَقَضَاءِ الحَاجَةِ، فَلَا صَلَاةَ بِغَيرِ طُهُورٍ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].
فَإِذَا أَقَامَ المُسلِمُ صَلَاتَهُ بَعدَهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَقَد أَتَمَّ طَهَارَتَهُ الحِسِّيَّةَ وَالمَعنَوِيَّةَ، كَمَا قَالَ ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» صحيح البخاري (٥٢٨)، وصحيح مسلم (٦٦٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣).
وَفَرَضَ اللَّهُ الطَّهَارَةَ عَلَى المُسلِمِ فِي بَدَنِهِ وَثَوبِهِ مِنَ الخَبَثِ وَالنَّجَاسَاتِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤].
وَأَخبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِن أَسبَابِ عَذَابِ القَبرِ عَدَمَ التَّنَزُّهِ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَقَد مَرَّ عَلَى قَبرَينِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَكَانَ الْآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» صحيح مسلم (٢٩٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤).
وَأَثنَى سُبحَانَهُ عَلَى الصَّحَابَةِ الأَوَائِلِ مِن أَهلِ مَسجِدِ قُبَاءٍ؛ لِأَنَّهُم كَانُوا يَستَنجُونَ بِالمَاءِ، وَفِيهِم نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ، وَهِيَ قَولُهُ سُبحَانَهُ: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨]. جامع الترمذي (٣١٠٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٤٥). (٥).
وَبَلَغَ مِن تَحرِيمِ الشَّرِيعَةِ لِاستِعمَالِ النَّجَاسَاتِ: أنْ نهى النَّبِيُّ ﷺ عَن أَكلِ لُحُومِ الجَلَّالَةِ أَو شُربِ أَلبَانِهَا(٣٧٨٥)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢٥٠٣) (٦)، بَل ونهى عَن رُكُوبِهَا(٤٤٤٧)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٨/١٥٠) (٧)، وَالجَلَّالَةُ هِيَ الحَيَوَانَاتُ المَأكُولَةُ الَّتِي غَالِبُ أَكلِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ.
وَأَوجَبَ شَرعُنَا فِي النَّجَاسَةِ المُغَلَّظَةِ - نَجَاسَةِ الكَلبِ - أَن تُغسَلَ سَبعَ مَرَّاتٍ، إِحدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» صحيح مسلم (٢٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (٨).
وَشَرَعَ مِنَ الأَحكَامِ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَالنَّظَافَةُ العَامَّةُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ البَولِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ. صحيح مسلم (٢٨١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٩)، وحرَّم قَضَاءَ الحَاجَةِ فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَو ظِلِّهِم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ!»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» صحيح مسلم (٢٦٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٠).
وَأَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ بِتَطهِيرِ المسَاجِدِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: ١٢٥].
وأمر النَّبيُّ ﷺ بتطهيرِ البيوتِ وساحَاتها خلافًا لليهود، فقال: «طَهِّرُوا أَفْنِيَتَكُمْ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ لَا تُطَهِّرُ أَفْنِيَتَهَا» المعجم الأوسط (٤٠٥٧)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٦). (١١).
وَلَم يَتَوَقَّفِ الأَمرُ عِندَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَتَحرِيمِ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ، بَل شَرَعَ اللَّهُ مَا مِن شَأنِهِ أَن يَجعَلَ المُسلِمَ نَظِيفًا طَيِّبًا طَاهِرًا فِي نَفسِهِ وَبَدَنِهِ وَثَوبِهِ، فَتِلكَ فِطرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» صحيح مسلم (٢٦١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (١٢).
وَالبَرَاجِمُ هِيَ العُقَدُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظُهُورِ الأَصَابِعِ، حَيثُ قَد يَتَجَمَّعُ فِيهَا القَذَرُ، وَانتِقَاصُ المَاءِ هُوَ الِاستِنجَاءُ؛ أَي: استِعمَالُ المَاءِ فِي التَّطَهُّرِ مِنَ البَولِ وَالغَائِطِ.
فَانظُر إِلَى جَمَالِ الشَّرِيعَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، كَيفَ اشتملت على مَا مِن شَأنِهِ تحقيقُ نَظَافَةِ الجَسَدِ وإزالةُ دَرَنِهِ وَمَا يُؤذِيهِ، حَتَّى أَمَرَت بِإِزَالَةِ الشَّعرِ الزَّائِدِ فِي تِلكَ المَوَاضِعِ الَّتِي قَد يُؤَدِّي كَثرَتُهُ فِيهَا إِلَى سُوءِ الرَّائِحَةِ، وَرُبَّمَا يُسبِّبُ الأَمرَاضَ وَالأَدرَانَ.
وَدَعَا الإِسلَامُ إِلَى نَظَافَةِ الفَمِ وَالأَسنَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» سنن النسائي (٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٦٦). (١٣).
أَلَا مَا أَجمَلَ دِينًا يَجعَلُ فِي تَنظِيفِ أَسنَانِكَ وَتَطيِيبِ فَمِكَ مَرضَاةً لرَبِّكَ.
بَل دَعَا النَّبِيُّ ﷺ مَن أَكَلَ طَعَامًا كَرِيهًا أَن يَعتَزِلَ المَسجِدَ كَي لَا يُؤذِيَ المُسلِمِينَ، يَقُولُ جابر بنُ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، عَن أَكلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ، فَغَلَبَتنَا الحَاجَةُ، فَأَكَلنَا مِنهَا، فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ» صحيح مسلم (٥٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١٤).
وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالاغتِسَالِ لَأَجلِ حُضُورِ الجُمُعةِ، فَقَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» صحيح البخاري (٨٥٨)، وصحيح مسلم (٨٤٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٥).
وَلَم يَكتَفِ بِذَلِكَ، بَل دَعَا إِلَى المُبَالَغَةِ فِي التَّنَظُّفِ، وَوَضعِ الطِّيبِ، وَلُبسِ الثِّيَابِ النَّظِيفَةِ غَيرَ ثِيَابِ العَمَلِ، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» سنن أبي داود (٣٤٣)، من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان (٢٧٦٧). (١٦).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» سنن ابن ماجه (١٠٩٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في غاية المرام (٧٦). (١٧).
وَجَعَلَ الإِسلَامُ جَمَالَ الهَيئَةِ مِن ثَوبٍ وَشَعرٍ شَيئًا نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّهُ الجَمِيلُ سُبحَانَهُ، الَّذِي يُحِبُّ الجَمَالَ.
جَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَائِلًا: «إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً»، فقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» صحيح مسلم (٩١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (١٨).
وَيَقُولُ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَد تَفَرَّقَ شَعرُهُ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ؟!» وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَليْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟!» سنن أبي داود (٤٠٦٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٩٣). (١٩).
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مَن نَظَرَ فِي مَن ضَلَّ مِنَ الكُفَّارِ وَزَاغَ عَن فِطرَةِ الإِسلَامِ، وَجَدَ نَجَاسَةً فِي البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، وَوَجَدَ مُلحِدِينَ وَوَثَنِيِّينَ وَنَصَارَى، اتَّبَعُوا كُلَّ شَيطَانٍ وَشَيطَانَةٍ مِنَ الخُبثِ وَالخَبَائِثِ، فَنَالُوا مِن نَجَاسَتِهِم بِحَسَبِ ذَلِكَ، فَهُم لَا يَختَتِنُونَ، وَلَا يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الأَرجَاسِ، يُقَارِفُونَ القَذَرَ، وَيَشرَبُونَ الخُمُورَ، وَيَأكُلُونَ الخِنزِيرَ، وَلَا يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الأَدنَاسِ.
لَقَد عَجِبَ الكُفَّارُ مِن تَشرِيعِ النَّظَافَةِ فِي دِينِنَا، حَتَّى آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، فَحَسَدُونَا عَلَى ذَلِكَ. يَقُولُ سَلمَانُ الفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: قَالَ لَنَا المُشرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُم يُعَلِّمُكُم حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الخِرَاءَةَ! فَقَالَ: «أَجَل، إِنَّهُ نَهَانَا أَن يَستَنجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ، أَو يَستَقبِلَ القِبلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوثِ وَالعِظَامِ، وَقَالَ: لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» صحيح مسلم (٢٦٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (٢٠).
إِنَّ دِينًا هَذَا شَأنُهُ، لَا شَكَّ أَنَّهُ قَد كَفَى وَشَفَى فِي بَيَانِ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، فَلَا يُعقَلُ أَن يَكُونَ أَغفَلَ شَيئًا يَحتَاجُ إليه النَّاسُ، مِن عَقِيدَةٍ وَفِكرٍ، أَو عِبَادَةٍ وَتَزكِيَةٍ، أَو سِيَاسَةٍ وَحَربٍ، أَو اقتِصَادٍ وَبُيُوعٍ، أَو اجتِمَاعٍ وَأُسرَةٍ، أَو أَخلَاقٍ وَسُلُوكٍ، إِلَّا وَقَد وَفَّاهُ بَيَانًا وَتَفصِيلًا، وَأَقَامَهُ عَلَى تَشرِيعِ كُلِّ طَيِّبٍ صَالِحٍ، وَنَفيِ كُلِّ خَبِيثٍ فَاسِدٍ.
فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُ، اعتَزَّ بِدِينِكَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ، وَافرَح بِانتِمَائِكَ إِلَيهِ، وَاحمَدِ اللَّهَ وَسَلهُ الثَّبَاتَ عَلَيهِ، وَكُن كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ لَكَ أَن تَكُونَ، طَاهِرًا جَمِيلًا، طَيِّبًا نَظِيفًا، فِي عَقِيدَتِكَ وَعَمَلِكَ، وَقَلبِكَ وَمَظهَرِكَ، وَلِبَاسِكَ وَبَدَنِكَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







