عنوان الخطبة: كَأسُ العَالَمِ، الصُّورَةُ الكَامِلَةُ
عناصر الخطبة:
١- اعتِبَارُ المآلَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ
٢- حَقِيقَةُ كَأسِ العَالَمِ والمفَاسِدُ المتعلِقَةُ بِهِ
٣- الوَسَائِلُ لَهَا أَحكَامُ المقَاصِدِ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكرَمَنَا بِالإِسلَامِ، وَأَعَزَّنَا بِالإِيمَانِ، وَجَعَلَنَا خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلأَنَامِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِن أَسلَمَ يَنتَضِلُونَ (أي يتبارَونَ برمي السهام)، فَقَالَ ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ» قَالَ: فَأَمسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَينِ بِأَيدِيهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟»، قَالُوا: كَيفَ نَرمِي وَأَنتَ مَعَهُم؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا؛ فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ». صحيح البخاري (٢٨٩٩)، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. (١).
صُورَةٌ غَايَةٌ فِي الجَمَالِ، تُظهِرُ سَمَاحَةَ الإِسلَامِ وَيُسرَهُ، فَإِنَّ النُّفُوسَ تُقبِلُ وَتُدبِرُ، وَلِذَلِكَ أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ التَّروِيحَ عَنِ النَّفسِ بِغَيرِ مُحَرَّمٍ، لِيَكُونَ أَنشَطَ لَهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَمُكَابَدَةِ أَحوَالِ الحَيَاةِ.
يَحكِي لَنَا أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ فَيَقُولُ: بَينَا الحَبَشَةُ يَلعَبُونَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِم، دَخَلَ عُمَرُ فَأَهوَى إِلَى الحَصَى فَحَصَبَهُم بِهَا، فَقَالَ: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ». صحيح البخاري (٢٩٠١)، وصحيح مسلم (٨٩٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢).
عبادَ اللهِ:
تُقَامُ هَذِهِ الأَيَّامُ فَعَالِيَّاتُ كَأسِ العَالَمِ لِكُرَةِ القَدَمِ، حَيثُ يُشَارِكُ ثَمَانِيَةٌ وَأَربَعُونَ فَرِيقًا، مِنهُم فِرَقٌ عَرَبِيَّةٌ وَمُسلِمَةٌ، وَتُبَثُّ المُبَارَيَاتُ، وَيَلتَفُّ مِئَاتُ المَلَايِينِ مُتَابِعِينَ وَمُشَجِّعِينَ، فَكَيفَ يَرَى المُسلِمُ بِمِنظُورِ الشَّرعِ تِلكَ الفَعَالِيَّاتِ؟
إِنَّ مِن عَظَمَةِ دِينِنَا أَنَّهُ جَاءَ لِيَجلِبَ لِلنَّاسِ الخَيرَ وَالمَنفَعَةَ، وَيَدفَعَ عَنهُمُ الشَّرَّ وَالضَّرَرَ. فَاللَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَم يَأمُرنَا بِشَيءٍ إِلَّا وَفِيهِ خَيرٌ لَنَا، وَلَم يَنهَنَا عَن شَيءٍ إِلَّا وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَينَا، وَالمُسلِمُ العَاقِلُ لَا يَتَسَرَّعُ فِي الحُكمِ عَلَى الأُمُورِ مِن ظَاهِرِهَا فَقَط، بَل يَنظُرُ إِلَى عَوَاقِبِهَا وَنِهَايَاتِهَا مِن خَيرٍ أَو ضَرَرٍ.
وَقَد عَلَّمَنَا عُلَمَاؤُنَا قَاعِدَةً عَظِيمَةً؛ وَهِيَ أَنَّ العِبرَةَ دَائِمًا بِالنَّتَائِجِ. فَالعَمَلُ قَد يَبدُو فِي ظَاهِرِهِ خَيرًا، لَكِن إِذَا كَانَ سَيُؤَدِّي فِي نِهَايَتِهِ إِلَى شَرٍّ أَكبَرَ، فَإِنَّ الشَّرعَ يَمنَعُنَا مِنهُ. وَالعَكسُ صَحِيحٌ، فَقَد نَتَحَمَّلُ ضَرَرًا يَسِيرًا اليَومَ، لِنَدفَعَ بِهِ كَارِثَةً كُبرَى غَدًا. فَالمُؤمِنُ دَائِمًا يَنظُرُ إِلَى الصُّورَةِ الكَامِلَةِ، وَإِلَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيهِ الأُمُورُ فِي النِّهَايَةِ.
عبادَ اللهِ:
إِنَّ النَّاظِرَ إِلَى تِلكَ الفَعَالِيَّاتِ العَالَمِيَّةِ اليَومَ لِتِلكَ اللُّعبَةِ يُدرِكُ أَنَّ الأَمرَ أَعمَقُ وَأَكبَرُ مِن تَنَافُسِ مَجمُوعَةٍ مِنَ الفِرَقِ عَلَى رِيَاضَةٍ مَا، بَل هِيَ مَنظُومَةٌ كَامِلَةٌ تَقُومُ عَلَيهَا مُؤَسَّسَاتٌ عَالَمِيَّةٌ، مِن رُعَاةٍ وَشُرَكَاءَ وَدَاعِمِينَ، وَمِليَارَاتُ الأَموَالِ تُجنَى وَتُدَارُ، وَحُقُوقٌ لِلبَثِّ وَشَرِكَاتٌ إِعلَانِيَّةٌ، وَتَروِيجٌ وَتَسلِيعٌ، وَحَدَثٌ اقتِصَادِيٌّ وَفِكرِيٌّ، وَهُوِيَّاتٌ تُفرَضُ، وَتَطبِيعٌ مُنَظَّمٌ.
إِنَّنَا لَسنَا أَمَامَ مُجَرَّدِ رِيَاضَةٍ يَنتَفِعُ بِهَا اللَّاعِبُونَ، أَو مُسَابَقَةٍ يَأنَسُ بِهَا النَّاسُ، بَل نَحنُ أَمَامَ صِنَاعَةٍ لِلإِلهَاءِ عَنِ الغَايَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ لِأَجلِهَا الإِنسَانَ، وَهِيَ إِقَامَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، إِذ يَقُولُ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فَإِنَّ الأَصلَ فِي حَيَاةِ المُسلِمِ أَن يَحيَا لِرَبِّهِ، يُقِيمُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيَعمَلُ الصَّالِحَاتِ، وَيَكُونُ التَّرفِيهُ وَاللَّعِبُ استِثنَاءً لَا أَصلًا، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الإِسلَامُ المُسَابَقَةَ عَلَى عِوَضٍ إِلَّا فِي الخَيلِ وَالإِبِلِ وَالرَّميِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِن قُوَّةِ المُسلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» سنن أبي داود (٢٥٧٦)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٥٠٦). (٣).
وَأَمَّا غَيرُ ذَلِكَ مِنَ المُبَاحَاتِ فَرَخَّصَ فِيهِ الشَّرعُ مَعَ تَحرِيمِ أَخذِ العِوَضِ عَلَيهِ، وَذَلِكَ حَتَّى لَا تَتَّخِذَهُ النُّفُوسُ صِنَاعَةً وَمَكسَبًا، فَتَتَلَهَّى بِهِ عَن مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنيَا.
فَقَارِن بَينَ هَذَا وَذَاكَ الوَاقِعِ، حَيثُ النَّوَادِي العَالَمِيَّةُ وَعُقُودُ الِاحتِرَافِ الَّتِي تُدفَعُ فِيهَا المَلَايِينُ، حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ غَايَةُ مُنَاهُ أَن يَصِيرَ وَلَدُهُ لَاعِبًا مُحتَرِفًا لِيَنعَمَ بِمُستَقبَلٍ بَاهِرٍ.
إِنَّنَا أَمَامَ صِنَاعَةٍ لِلقُدوَاتِ الزَّائِفَةِ، الَّتِي غَايَةُ مَا تُحسِنُهُ رَكلُ الكُرَةِ وَصَدُّهَا، تُسَلَّطُ عَلَيهِمُ الأَضوَاءُ، وَتُنشَرُ أَخبَارُهُم صَبَاحَ مَسَاءَ، مَالٌ وَشُهرَةٌ، وَصُوَرٌ تَملَأُ الشَّوَارِعَ، حَتَّى صَارَ الأَقزَامُ أَعلَامًا، وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ إِذ يَقُولُ: «يُوشِكُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» مسند أحمد (٢٣٦٥١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٠٥). (٤).
وَاللُّكَعُ يُطلَقُ عَلَى كُلِّ دَنِيءٍ مَهِينٍ لَا عَقلَ لَهُ وَلَا نَفعَ فِيهِ، فَتَدُورُ الأَيَّامُ وَيَصِيرُ أَمثَالُهُم أَسعَدَ النَّاسِ بِالدُّنيَا.
إِنَّنَا أَمَامَ تَطبِيعٍ مَعَ الفَوَاحِشِ وَالمُنكَرَاتِ، إِذ تَقُومُ عَلَى رِعَايَةِ تِلكَ الفَعَالِيَّاتِ شَرِكَاتٌ عَالَمِيَّةٌ، دَفَعَت مِئَاتِ المَلَايِينِ لِتَحظَى بِتَسوِيقٍ وَانتِشَارٍ، بُنُوكٌ رِبَوِيَّةٌ عَالَمِيَّةٌ، وَشَرِكَاتٌ كُبرَى لِلخُمُورِ، تَبُثُّ إِعلَانَاتِهَا وَتَضَعُ عَلَامَاتِهَا، وَلَم يَقِفِ الأَمرُ عِندَ ذَلِكَ الحَدِّ، بَل ثَمَّ تَسوِيقٌ لِلشُّذُوذِ وَاللِّوَاطِ، تُرفَعُ فِيهِ أَعلَامُهُم وَرَايَاتُهُم، وَيَلبَسُ قَادَةُ المُنتَخَبَاتِ شَارَاتِهِم، إِعلَانًا مِنهُم أَنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ مَقبُولٌ عَالَمِيًّا، فَأَينَ غَيرَةُ المُسلِمِ عَلَى دِينِهِ إِذ يَرَى مِثلَ ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
إِنَّنَا أَمَامَ تَغيِيبٍ لِأَوثَقِ عُرَى الإِيمَانِ، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ» مسند أحمد (١٨٨٢١)، من حيث البراء بن عازب رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٩٨). (٥).
نَظرَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَى مِئَاتِ المَلَايِينِ مِنَ المُشَجِّعِينَ تَرَى المَحَبَّةَ وَالِانتِمَاءَ وَالعَصَبِيَّةَ وَالتَّقلِيدَ وَالِافتِخَارَ بِفِرَقٍ وَأَندِيَةٍ وَلَاعِبِينَ لَا يَدِينُونَ بِالإِسلَامِ، بَل رُبَّمَا يَضَعُونَ الصُّلبَانَ وَيَعبُدُونَ الأَوثَانَ، وَيَدعَمُونَ المُعتَدِينَ عَلَى بِلَادِ الإِسلَامِ، فَأَينَ الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ فَقَالَ: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].
إِنَّ العَصَبِيَّةَ وَالتَّحَزُّبَ لِغَيرِ الإِسلَامِ وَأَهلِهِ مِنَ المُنكَرَاتِ الَّتِي نَهَى عَنهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ يَقُولُ: «يَا لَلمُهَاجِرِينَ!»، وأن رجلا من الأنصار يقول: «يَا لَلأَنصَارِ!» يَقُولَانِ هَذَا عَصَبِيَّةً، قَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». صحيح البخاري (٤٩٠٥)، وصحيح مسلم (٢٥٨٤)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٦).
فَإِذَا كَانَت مِثلُ تِلكَ العَصَبِيَّةِ مُنتِنَةً، فَكَيفَ بِالعَصَبِيَّةِ وَالتَّهَاجُرِ وَالتَّحَارُبِ وَالتَّنَابُذِ لِتِلكَ الفِرَقِ وَالنَّوَادِي؟
عبادَ اللهِ:
يَقُولُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ» جامع الترمذي (١٢٩٥)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني في غاية المرام (٦٠) (٧).
إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ شُربَ الخَمرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الخَمرِ عَشَرَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يُعَدُّ وَسِيلَةً تُؤَدِّي إِلَى وُصُولِ الخَمرِ لِشَارِبِهَا، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، وَمَعلُومٌ أَنَّ الشَّيءَ إِذَا كَانَ وَسِيلَةً حَتمًا إِلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَقَد نَصَّ أَهلُ العِلمِ عَلَى تَحرِيمِ بَيعِ العِنَبِ لِمَن يُعلَمُ أَنَّهُ سَيَصنَعُ مِنهُ الخَمرَ، وَمِمَّا سَبَقَ فِي بَيَانِ مَفَاسِدِ تِلكَ الفَعَالِيَّاتِ يُفهَمُ أَنَّ فَرقًا عَظِيمًا بَينَ أَن يَتَرَيَّضَ مُسلِمٌ بِلَعِبِ الكُرَةِ مِن غيرِ أَن يَترُكَ لِأَجلِهَا وَاجِبًا، وَبَينَ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيهَا مُؤَسَّسَاتٌ وَكِيَانَاتٌ لَهَا أَجِندَاتُهَا وَأَهدَافُهَا الفِكرِيَّةُ وَالِاقتِصَادِيَّةُ وَالِاجتِمَاعِيَّةُ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
عبادَ اللهِ:
إِنَّ مَدَاخِلَ الفَسَادِ عَلَى شَبَابِ المُسلِمِينَ اليَومَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ أَعدَاءَنَا فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران: ١١٨]، أَي: لَا يَترُكُونَ جُهدًا فِي مَضَرَّتِكُم وَفَسَادِكُم، وَمَن تَأَمَّلَ خُطَطَهُم الفِكرِيَّةَ، وَبَرَامِجَهُم الإِعلَامِيَّةَ، عَلِمَ كَيفَ يَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَادًا بِكُلِّ سَبِيلٍ، وَكَيفَ يَجعَلُونَ اللَّهوَ وَاللَّعِبَ سُلَّمًا لِتَحقِيقِ مَا استَطَاعُوا مِن ذَلِكَ.
لَقَد جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَعدَاءِ الإِسلَامِ وَصفَينِ مُقتَرِنَينِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ القُرآنِ، وَهُمَا الخَوضُ فِي الحَقِّ بِالشُّكُوكِ البَاطِلَةِ، وَالغَفلَةُ عَنهُ بِاللَّهوِ وَاللَّعِبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطور: ١٢]، وقال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدخان: ٩]، وَإِنَّهُم لَا يَفتَؤُونَ يَخلِطُونَ بَينَهُمَا بِكُلِّ سَبِيلٍ، وَلِذَلِكَ نَرَى كَيفَ تُقَدَّمُ كَثِيرٌ مِنَ الِانحِرَافَاتِ فِي قَالَبٍ مِنَ المُتعَةِ الَّتِي قَد يَكُونُ أَصلُهَا مُبَاحًا، لَكِنَّهَا دُمِجَت بِأَلوَانٍ مِن أُمُورٍ لَيسَت مُبَاحَةً أَبَدًا.
إِنَّ الإِسلَامَ لَا يَبنِي مَجدَهُ إِلَّا رِجَالٌ ضَبَطُوا بُوصَلَةَ حَيَاتِهِم عَلَى مَا يُرضِي اللَّهَ، وَشَبَابٌ نَصَبُوا أَهدَافَهُم بِوُضُوحٍ عَلَى مَا غَرَسَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاتَّخَذُوا الرِّيَاضَةَ المُبَاحَةَ سَبِيلًا لِلتَّروِيحِ عَنِ النَّفسِ وَإِجمَامِهَا، أَو لِتَقوِيَتِهَا عَلَى مُرَادِ اللَّهِ، لَا لِلِانصِرَافِ عَن مُرَادِهِ، وَأَدرَكُوا مَا عَلَيهِم مِن مَسؤُولِيَّاتٍ، فَلَم تَشغَلهُم عَنهَا أَنوَاعُ المُلهِيَاتِ.
قد هيؤوك لأمرٍ لو فطنتَ له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
اللهم أرِنا الحقّ حقًّا وارزُقنا اتباعه، وأرِنا الباطلَ باطلًا وارزُقنا اجتنابَه، ولا تجعَلهُ ملتبسًا علينا فنَضِلّ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.







