خطبة (حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم)

خطبة (حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم)

عنوان الخطبة: حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم.

عناصر الخطبة:

١- توبة أُمَّة

٢- سننُ الله الكونية لا تتبدَّل

٣- الحكمة من وقوع العقوبات الدُّنيوية

٤- من أيِّ شيء يجب أَن تتوب الأمة؟

الحمدُ للهِ الذِي خلقَ الإنسانَ فأبدَعَهُ، وشرَعَ الدّينَ فأحكَمَهُ، وقَضَى بالعدلِ وبدينِهِ أظهرَهُ، وأشهدُ أَن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقْوَى، وراقِبُوهُ فِي السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ الله:

هَلْ سمعتُمْ عَنْ أُمَّةٍ تَابَتْ جميعُها للهِ ربِّ العالمينَ؟

إنَّهُمْ قومُ يُونُس عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعَا قَومَهُ إلى اللهِ فَكَذَّبُوهُ، فحذَّرَهُم عقابَ اللهِ وعذابَهُ، فَلَمَّا اقتربَ مِنهُم عذابُ اللهِ ورَأَوْا بَوَادِرَهُ، تَابُوا وأنَابُوا إلى اللهِ فكشفَ عَنْهُمُ العذابَ، وَجَعَلَهُم مثَلًا للنَّاسِ.

قَالَ سبحانَهُ: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا ‌قَوْمَ ‌يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُم عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يُونُس: ٩٨].

أَيْ: فهَلَّا آمَنَتِ الأمَمُ وتَابَتْ وأنَابَتْ إلى اللهِ فينفعَها اللهُ بتوبَتِها وإيمَانِها، مِثلَ قومِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ!

عبادَ الله:

مِن أفعالِ ربِّ العالمينَ الثَّوابُ والعقابُ، والثَّوابُ والعقابُ مِنهُ ما يَقَعُ على الأفرادِ ومِنهُ ما يَقَعُ على الأمَمِ، ومِنهُ مَا يكونُ في الدُّنيا ومِنهُ مَا يكونُ فِي الآخرةِ.

للهِ وعودٌ ربانيةٌ للأفرادِ ووعودٌ للأمَّةِ جميعًا، ولكلِّ وعدٍ شَرطُهُ وأسبَابُهُ، وللأفرادِ عقوباتٌ وللأمَّةِ عقوباتٌ، ولكلِّ عقوبةٍ موجِبُها وسبَبُها.

إنَّ هذهِ الأمَّةَ الإسلاميّةَ خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ، كَمَا قَالَ ربُّ النَّاسِ: كُنْتُمْ ‌خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].

إلّا أنَّ هذهِ الخيريةَ لَا تعنِي المحاباةَ ومجاوزةَ السُّننِ الإلهيّةِ، فإنَّ للهِ فِي خلقِهِ سُننًا، فَلَنْ تَجِدَ لسنَّتِهِ تبديلًا ولَا تحويلًا.

وَمِن هذهِ السُّننِ الإلهيَّةِ الوعودُ الربَّانيّةُ بالأمنِ والنَّصرِ والتَّمكينِ والبركاتِ لِمَنْ حَقَّقَ شرطَهُ سبحانَهُ إِذْ يَقُولُ: وَعَدَ ‌اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٥٥].

وقَالَ سبحانَهُ: وَلَوْ أَنَّ أَهَلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ‌بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].

ومِنْ هذهِ السُّننِ العقوباتُ الرَّبَّانيّةُ بإرسالِ أصنافِ العذابِ الأدنى فِي هذهِ الدُّنيا، مِنَ البأساءِ والضَّرّاءِ، والخوفِ والجوعِ والفقرِ، والخِذلانِ والذِّلةِ، والفُرْقةِ والبغضاءِ، وتسليطِ الأعداءِ، ونزعِ الـمُلْكِ، ونقصِ الثمراتِ ومحقِ البركاتِ، لِمَن استحقَّها بفعلِ موجِباتِها وإتيانِ أسبابِها، إِذْ يَقُولُ سبحانَهُ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢].

وقَالَ النَّبِيّ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:

لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا.

وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ.

وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.

وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.

وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» سنن ابن مَاجه، من حديث ابن عمر رضي الله عَنْهُمَا، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٦) (١).

وَلَعَلَّكَ تَتَسَاءَلُ: مَا سِرُّ هذا العذابِ الأدنى؟

إنَّ اللهَ تَعَالى أرحمُ بالعبادِ مِنْ أَنْفُسِهِم، يريدُ لَهُمُ الخيرَ كلَّه، أسبغَ عَلَيْهِم نِعَمَهُ ظاهرةً وباطنةً، سَخَّرَ لَهُم مَا فِي السمَاواتِ والأرضِ، وأخرجَ لَهُم مِن كلِّ الثمراتِ، وأنزَلَ عَلَيْهِم كتابًا فِيهِ عِزُّهُم ومَجْدُهُم وكرامَتُهُم، وشَرَعَ لَهُم دينًا قويمًا بِهِ حياتُهم ومصالحُهم فِي الدُّنيا والآخرةِ، فإِذَا أَعرضُوا عَنهُ وتركُوا شَرْعَهُ ودِينَهُ، وبَارَزُوهُ بالمعَاصِي، عاقبَهُم بَعْدَ حِلمٍ، ومسَّهُم بالضُّرِّ بعدَ صبرٍ عظيمٍ وإمهالٍ، كَيْ يَتُوبُوا إليهِ ويُنيبُوا لَهُ سبحانَهُ.

أَلَمْ تَسْمَعْ قَولَ رَبِّكَ: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ‌لَعَلَّهُمْ ‌يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١].

 وقَالَ سبحانَهُ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ‌لَعَلَّهُمْ ‌يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].

إِلَّا أنَّ الأمَمَ أَحْسَنَ بَعْضُهُمُ استقبالَ تلكَ الرسائلِ الرَّبَّانيّةِ، فتابَ وأنابَ، مِثلُ قومِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغرَّ أكثرَهُم حِلمُ اللهِ وإمهالُه فكَانَتِ النِّهايةُ الإبادةَ والاستئصالَ.

قَالَ سبحانَهُ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ‌تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٢-٤٤].

عبادَ اللهِ:

إنَّ أُمَّتَنَا اليومَ تُعانِي مِنَ الذُّلِّ والهوانِ والشَّتّاتِ وتسلطِ أعداءِ اللهِ مِنَ الكافرِينَ والظالمِينَ، والتّعَدِّي على أرواحِهِم، وتدنيسِ مقدَّساتِهِم، وسلبِ أرضِهِم، وانتهاكِ أعراضِهِم، ونهبِ أموالِهِم وثرَواتِهِم، حتى غابَ الأمنُ وسادَ الفَقرُ فِي كثيرٍ مِنَ بُلْدانِ المسلمِينَ، وإنَّ هذا لَيوجِبُ على المسلمِينَ توبةً عامَّةً للهِ ربِّ العالمِينَ، فإنَّ اللهَ تَعَالى قَالَ:  وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١]، وَوَعَدَ سبحانَهُ بِرَفْعِ العذابِ عنِ التّائبِينَ الـمُسْتَغْفِرِينَ فقَالَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ ‌مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: ٣٣].

إلَّا أَنَّهُ مِنَ الواجبِ الإجابةُ عَنْ هذا السُّؤالِ: مِنْ أَيِّ شيءٍ تتوبُ الأمّةُ، وَمَنِ المخاطبُ بِهَذَا؟

إنَّ المسؤولِيَّةَ تَقَعُ عَلَى الأمّةِ جميعًا، أفرادًا وشعوبًا، حُكَّامًا ومحكومِينَ، يَقَعُ على كلِّ مُسْلِمٍ بِحَسَبِ مَوقِعِهِ وتفريطِهِ فِي أداءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وارتكابِهِ مَا حرَّمَ اللهُ.

إنَّ أوّلَ مَا يَجِبُ أَنْ نَتُوبَ إلى اللهِ مِنهُ هُوَ الإعراضُ عَنْ شريعتِهِ سبحانَهُ، وهِجرانِ وَحْيِهِ، والاسْتَعاضَةِ عَنهُ بالأفكارِ المخالفةِ لَهُ، مِنْ إلحادٍ وعَلمَانِيّةٍ، وليبرالِيَّةٍ ونِسْويّةٍ، وقوميّةٍ ووطنيّةٍ، وإبراهيميّةٍ وإنسانَويّةٍ، وقُبوريّةٍ وجَهميّةٍ، وغيرِها مِنَ المناهجِ المناقضةِ للدّينِ، وأن نعودَ إلى الشَّريعةِ الرَّبَّانِيّةِ، والسُّنّةِ المحمَّديّةِ.

أَنْ نتوبَ إلى اللهِ مِنْ تعلُّقِنَا بغيرِهِ، وخُضوعِنا لسوَاهُ، وطاعتِنَا لأعدائِهِ فِي معصيتِهِ، وابتغائِنَا العزّةَ مِنَ الشَّرقِ والغربِ دونَ اللهِ، ونُعلِنَ بقلوبِنَا وألسنَتِنا وأعمَالِنَا أنَّنَا للهِ، وأنَّ خضوعَنَا وطاعتَنَا وتحاكُمَنَا لَهُ دُونَ مَن سِواهُ.

أَنْ نَتُوبَ إلى اللهِ مِنَ التَّحرُّرِ عَنْ شريعتِهِ، والاحتِكَامِ إلى غيرِها مِنَ الشَّرائِعِ الأرضيّةِ، وأَنْ نُقيمَ شَرْعَ اللهِ فِي شَتَّى شُؤونِ حياتِنَا، فِي عقائدِنا وأفكارِنا، وعباداتِنا ومعاملاتِنا، وعلاقاتِنا وولاءاتِنا، فإنَّ فِي ذلكَ العزَّ والشَّرفَ والتَّمكينَ.

أَنْ يتوبَ كلُّ مُبغضٍ لدينِ اللهِ وحُكْمِهِ محاربٍ لشرعِهِ، أو تُكَفَّ ألسنتُهُم وأيدِيهِم عَنْ نشرِ الضّلالِ والأفكارِ المنحرفةِ، وأَنْ يَظْهَرَ الإسلامُ على الدّينِ كلِّهِ، ويُنصَرَ اللهُ ورَسُولُهُ ﷺ حقًّا قولًا وفعلًا، وَلَوْ كَرِهَ الكافرُونَ.

أَنْ نَتُوبَ إلى اللهِ مِنَ التَّفريطِ فِي الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ مَا أوجَبَ عَلَيْنَا، فَيعودَ النَّاسُ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ كمَا أمرَهُمُ اللهُ، ويؤتُوا الزَّكاةَ كمَا شَرَعَها اللهُ، فَتُؤَدَّى لأهْلِها كاملةً غيرَ منقوصةٍ.

أَنْ نتوبَ إلى اللهِ مِنْ إتيانِ الفواحشِ والمجاهَرَةِ بِها، مِنَ العُرْيِ وحفَلاتِ الرِجْسِ، مِنْ أكلِ الرّبَا والرِّشوةِ والمعاملاتِ المحرّمةِ.

أَنْ نتوبَ إلى اللهِ مِنَ الظُّلمِ والعُدْوانِ، مِنَ الفسادِ والمحسوبِيّةِ، مِنْ سرقَةِ الأموالِ العامَّةِ وخرابِ الذِّمَمِ، وأكلِ أموالِ الضُّعفاءِ وحِرمَانِهِم.

أَنْ نتوبَ إلى اللهِ مِنَ الفُرقَةِ والخِلافِ والشِّقَاقِ، أَنْ نتركَ عصبِيّةَ الجاهِلِيَّةِ، وَأَنْ يعودَ المسلمونَ لُحمةً واحدةً، يدًا على مَنْ سواهُم، يوالُونَ ويعادُونَ فِي اللهِ وللهِ.

أَنْ نتوبَ إلى اللهِ مِنَ الرُّكونِ إلى الدُّنيا، والعَجْزِ والكسلِ، أَنْ نُؤَخِّرَ كلَّ رُوَيْبِضَةٍ وصانعٍ للتّفاهةِ، وأَنْ نَقُومَ جميعًا قَوْمةَ صدقٍ نزرعُ ونصنَعُ، نُشَيِّدَ كُلَّ نافعٍ، وَنَبْنِيَ مَا بِهِ قِوامُ حياتِنا، ونُرهِبَ بِهِ عدوَّ اللهِ وعَدُوَّنَا.

قَالَ سبحانَهُ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * ‌وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: ٥٩-٦٠].

لَقَدْ ربطَ اللهُ الأشياءَ بأسبابِهَا، والسَّمَاءُ لا تُمطِرُ ذهبًا وفضةً، والتاركُونَ للعَمَلِ مَعَ القُدرَةِ آثمونَ مُضَيِّعُونَ.

فلمَاذَا أَمَرَ اللهُ نوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَصْنَعَ السَّفينةَ؟ وعلّمَ داودَ عَلَيْهِ السَّلامُ صِناعةَ الدّرُوعِ وسائِرِ أنواعِ السِّلاحِ؟ ولمَاذَا قامَ ذو القرنَيْنِ يُنَادِي فِيمَنِ استعَانَ بِهِ قَائِلًا: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٥-٩٧].

إنّ تَغْيِيرَ حَالِنَا مَعَ اللهِ مِفتاحُ تغييرِ أقدارِهِ مَعنَا، فللّهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ لا تتبدَّلُ: إِنَّ اللَّهَ ‌لَا ‌يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١].

بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بمَا فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم فاستغفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرّحيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ اللهِ، وعلى آلهِ وصَحْبِهِ ومَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:

عبادَ اللهِ:

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» سنن أبي داود (٣٤٦٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عَنْهُمَا، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١) (٢).

إنَّها القاعدةُ النَّبويّةُ المستقرةُ التّي قَرَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فقَالَ: «جُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي»مسند أحمد (٥١١٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عَنْهُمَا، وصححه الألباني في تخريج أحاديث مشكلة الفقر (٢٤). (٣).

وعدٌ بالعزِّ والتَّمكِينِ لِمَنْ أَقَامَ الدّينَ كمَا أنزلَهُ اللهُ، كلَّه لَا بَعضَهُ، بالحقِّ لا بالهَـوَى، ووعيدٌ بالذِّلةِ والمهَانَةِ لِمَن تَرَكَ دينَ اللهِ فأعْرَضَ عَنهُ وخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ.

إنَّنَا على يقينٍ أَنَّ دينَ اللهِ منصورٌ، وأنَّ كلمةَ اللهِ هِيَ العُليَا، ولكِنْ لَنْ يَحُوزَ هذا الشّرَفَ إلَّا مَنْ نَصَرَ الدِّينَ، وحينئذٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ وَبِهِ وَعْدُ اللهِ القَائِلِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ ‌تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٧].

اللّهُمَّ أصلِحْ أحوالَ أُمَّةِ الإسلامِ، ورُدَّنَا إليكَ ردًّا جميلًا.

اللَهُمَّ انصُرْنَا ولَا تَنْصُر عَلَيْنَا، وامْكُرْ لَنَا ولَا تَمْكُر عَلَيْنَا، واهْدِنَا ويسِّرِ الهُدَى لَنَا، وانصُرْنَا على مَنْ بَغَى عَلَيْنَا.

اللّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجْعَلَ وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضَاكَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: