عنوان الخطبة: وانقضى رمضان.
عناصر الخطبة:
١- فرح الصائمين.
٢- رسائل إلى الموفقين.
٣– رسائل إلى المقصرين.
٤- زكاة الفطر طهرة الصائمين.
الحمدُ للهِ الغفورِ الشَّكورِ، يغفرُ الزَّلَّاتِ، ويُقيلُ العثَراتِ، ويقبلُ الطيِّباتِ، ويَجزي علىٰ القليلِ أعظمَ الثَّوابِ والحسَناتِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، صلَّىٰ اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوىٰ، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوىٰ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
عِبادَ الله:
يقولُ ربُّنا سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[يونس: ٥٨].
كَثُرَ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ.
أيُّها الصّائمونَ إيمانًا واحتسابًا! بُشراكم!
يقول النبيُّ ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». صحيح البخاري (١٩٠٤)، وصحيح مسلم (١١٥١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١)
يفرَحُ الصائمُ عندَ فطرِهِ بأنْ وفَّقَهُ اللهُ فأتمَّ صومَهُ الذي وعدَهُ اللهُ عليهِ عظيمَ الأجرِ، ويفرحُ عندَ لقاءِ ربِّهِ بصومِهِ لِما يراهُ منَ الثَّوابِ وحُسنِ الجزاءِ.
إذا كانَ فرحُ أهلِ الدنيا بمتاعِها وزينتِها، فإنَّ فرحَ أهلِ الإيمانِ بإيمانِهم وإسلامِهم، وبالقرآنِ وبطاعةِ الرَّحمنِ.
عمَّا قريبٍ يفرحُ الصائمونَ، عندَ لقاءِ اللهِ الشَّكورِ، القائل: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». صحيح مسلم (١١٥١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢)
هناكَ يسعدُ الصّائمونَ العابدونَ، يومَ أنْ يتقدَّمَهُمُ الصَّومُ وتلاوةُ القرآنِ، يشفعانِ عندَ الملكِ الديَّانِ.
يقول النبيُّ ﷺ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ». مسند أحمد (٦٦٢٦)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٨٤). (٣)
أيُّها الصَّائمونَ، ساعاتٌ ويرحلُ عنَّا رمضانُ، ذاكَ الضيفُ الكريمُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الْمَقْبُولُ مِنَّا فَنُهَنِّئَهُ، وَمَنِ الْمَرْدُودُ مِنَّا فَنُعَزِّيَهُ؟ فَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَقْبُولُ فَهَنِيئًا هَنِيئًا، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَرْدُودُ فَجَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَكَ.
أتىٰ رمضانُ، ونادىٰ المنادي: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ! ويا باغيَ الشرِّ أقصِرْ!
أتىٰ رمضانُ، ففُتِّحتْ أبوابُ الجنانِ، وأُغلِقَتْ أبوابُ النيرانِ.
أتىٰ رمضانُ، فمنَّ اللهُ علىٰ منْ شاءَ منْ عبادِهِ، فأعتقَهم منَ النيرانِ.
أتىٰ رمضانُ وقامَ سوقُ الغفرانِ، فَيَا تُرَىٰ مَنِ المغفورُ لهُ فَنُهَنِّئَهُ؟ ومَنِ المحرومُ فَنُعَزِّيَهُ؟
تلكمْ رسائلُ الختامِ.
يا منْ وفَّقَكمُ الكريمُ فأقبلتمْ عليهِ، فصُمْتمْ نهارَهُ إيمانًا واحتسابًا، وقُمْتمْ ليلَهُ إيمانًا واحتسابًا!
يا منْ تلَوْتمْ كتابَ اللهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ!
يا منْ وفَّقَكمُ اللهُ لطاعتِهِ، لذكرِهِ، للإنفاقِ في سبيلِهِ، لفعلِ الخيراتِ، إليكمْ هذهِ الرسائلُ:
الرسالةُ الأولى: لِتحمدوا اللهَ علىٰ توفيقِهِ، ولْتشكروا اللهَ علىٰ معونتِهِ وتيسيرِهِ، فإنَّ حالَنا – واللهِ – كما قالَ النبيُّ ﷺ وهوَ يحفِرُ الخندقَ: «وَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلاَ صُمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا». صحيح البخاري (٦٦٢٠)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. (٤)
مَنْ وجدَ خيرًا وتوفيقًا فليحمَدِ الله، فإن النبيَّ ﷺ كان إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». سنن ابن ماجه (٣٨٠٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٠٦٦). (٥)
الرسالةُ الثانية: إياكمْ والعُجْبَ بأعمالِكمْ والغُرورَ بها، فإنَّ ذلكَ مطيَّةُ إبليسَ ومزِلَّةُ الأقدامِ، فإنَّ المُعجَبَ بنفسِهِ وعملِهِ هالِكٌ ولا بُدَّ.
قال النبيُّ ﷺ: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ». المعجم الأوسط (٥٤٥٢)، من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٠٢). (٦)
وكيفَ يُعجَبُ العبدُ بعملٍ لا يدري: أمقبولٌ منهُ هو أمْ مردودٌ عليهِ؟ فإنَّما يتقبَّلُ اللهُ مِنَ المتَّقينَ.
لقدْ قامَ إبراهيمُ الخليلُ معَ ولدِهِ إسماعيلَ يرفعانِ قواعدَ البيتِ الحرامِ، وألسنتُهُمَا تلهَجُ بالضَّراعةِ والافتقارِ قائلةً: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[البقرة: ١٢٧].
لقدْ كانَ النّبيُّ ﷺ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا». سنن ابن ماجه (٩٢٥)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٧٥٣). (٧)
إنَّ الصالحينَ لا يغترُّونَ بصلاتِهِمْ ولا بصيامِهِمْ ولا بجهادِهِمْ، بلْ قلوبُهُم وجِلةٌ، يرجونَ رحمةَ اللهِ، وهمْ منْ عذابِهِ خائفونَ مشفِقونَ.
أوَلمْ تسمعْ تلكَ الآياتِ التي سألتْ عنها أمُّنا عائشةُ -رضي الله عنها- رسولَ اللهِ ﷺ؟
قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ[المؤمنون: ٦٠-٦١].
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: يا رسول الله: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لاَ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ تُقْبَلَ مِنْهُمْ». جامع الترمذي (٣١٧٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٨)
إيَّاكَ أنْ تستكِثرَ طاعاتِكَ فتمُنَّ بها علىٰ ربِّكَ، فإن الله تعالى يقول: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ[المدثر: ٦].
وكيفَ يمُنُّ العبدُ بطاعتِهِ، واللهُ هوَ المنَّانُ ذو الفضلِ والإحسانِ، القائلُ: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[الحجرات: ١٧].
إنَّكَ غدًا عندما ترىٰ القيامةَ رأيَ العينِ، عندما ترىٰ الجنَّةَ والنَّارَ، ستحتقرُ طاعاتِكَ حينئذٍ.
يقول النبيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». المسند (١٧٦٤٩)، من حديث عتبة بن عبد رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٤٦). (٩)
ثمَّ أيُّ شيءٍ يكونُ العملُ، إذا نظرتَ إليهِ معَ ما صدرَ منك منَ الذُّنوبِ أو التَّقصيرِ، أو إذا نظرتَ إليهِ في جانبِ إنعامِ اللهِ الوافرِ الكثيرِ.
الرِّسالةُ الثّالثةُ: استقيموا علىٰ طاعةِ اللهِ ولا تكونوا كالتي نقضتْ غزلَها منْ بعدِ قوَّةٍ.
إنّ اللهَ سبحانَهُ يقول: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[فصلت: ٣٠].
إنْ منَّ اللهُ عليكَ بفعلِ الطّاعاتِ في شهرِ البرَكاتِ فاستعنْ باللهِ واستقمْ علىٰ أمرِ اللهِ بفعلِ الواجباتِ وتركِ المحرَّماتِ، واستعنْ باللهِ علىٰ أداءِ الأعمالِ الصالحاتِ الباقياتِ، منْ قيامِ الليلِ وتلاوةِ القرآنِ والذِّكرِ والصَّدَقة، فإنَّ اللهَ يقولُ في الحديثِ القدسيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». صحيح البخاري (٦٥٠٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (١٠)
ولقد وصّى النبيُّ ﷺ عبدَ الله بنَ عمرِو بنِ العاصِ رضيَ الله عنهما، فقالَ له: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». صحيح البخاري (١١٥٢)، وصحيح مسلم (١١٥٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (١١)
إنَّ منَ النِّعمِ العظيمةِ أنْ يُوفِّقَكَ اللهُ للصالحاتِ، وشهرُ رمضانَ تُقبِلُ فيهِ القلوبُ علىٰ اللهِ، ويجِدُ العبدُ فيهِ علىٰ الخيرِ أعوانًا، ولا شكَّ أنَّ الحالَ بعدَ رمضانَ لنْ يكونَ كالحالِ فيهِ، لكنْ لا تنقطِعْ عنِ الطّاعةِ، ولا تكنْ كمِثْلِ قومٍ أعطاهمُ اللهُ النِّعَمَ فلمْ يحفظوها، فإنَّ النبيَّ ﷺ كما تحكي عنهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: «كان إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ». صحيح مسلم (٧٤٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (١٢)
واعلمْ أنَّ أحبَّ العملِ إلىٰ اللهِ أدومُهُ وإنْ قلَّ، هكذا أخبرَنا رسولُ اللهِ ﷺ. صحيح مسلم (٧٨٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (١٣)
فاجعلْ لكَ وِردًا منْ كتابِ اللهِ، وركَعاتٍ ولوْ يسيرةً منْ قيامِ الليلِ، داوِمْ علىٰ ذلكَ، واستعنْ باللهِ ولا تنقطِعْ، واعبُدْ ربَّكَ حتَّىٰ يأتيَكَ المماتُ.
الرِّسالةُ الرّابعةُ: قدْ صِرْتَ سيِّدًا حرًّا، فإيَّاكَ أنْ تقعَ أسيرًا.
قدْ صُمْتَ قريبًا منْ ثلاثينَ يومًا، ملكتَ نفسَكَ عنْ شهواتِها، ودخلتَ –إنْ شاءَ اللهُ– في زُمرةِ مَنْ قالَ اللهُ فيه: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». صحيح مسلم (١١٥١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٤) فصِرتَ بذلك سيِّدًا حُرًّا، فلا ترجعْ إليها أسيرًا بعد الحُرِّيَّة والسِّيادة.
قدْ تركتَ الحلالَ للهِ الذي أمرَكَ، أيليقُ بكَ أنْ تعودَ للحرامِ بعدَ رمضانَ؟
باركَ اللهُ لي ولكُم في القرآنِ العظيمِ، ونَفَعني وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأَستغفرُ اللهَ لي ولكُم فاستغفِروهُ، إنَّه هو الغَفورُ الرّحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ الله، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن والاهُ، وبعد:
الرِّسالة الأخيرةُ: لِمَنْ فرَّطَ وقصَّرَ، لمنْ نأىٰ وأعرضَ، قِفْ معَ نفسِكَ فحاسِبْها، وانظرْ كيفَ فرَّطتَ في زمانِ النَّفَحاتِ والخيراتِ؟
ألمْ يقلِ اللهُ تعالىٰ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ[الحشر: ١٨].
ورَغمَ كُلِّ تقصيرٍ لا يزالُ أمامَكَ فُرصةٌ ما دام قد أبقىٰ اللهُ لكَ الأنفاسَ، عُدْ إليهِ تائبًا راجيًا نادمًا، عازمًا علىٰ الصلاحِ والإصلاحِ، فإنَّهُ سبحانهُ الواسعُ الغفورُ التوابُ.
يقول النبيُّ ﷺ: «وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ». صحيح مسلم (١٣١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (١٥)
إنَّهُ ذلكَ الشَّاردُ المُعرِضُ الذي لا يُريدُ اللهَ.
قال النبيُّ ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ». المسند (٢٢٢٢٦)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٤٣). (١٦)
إنَّ أبوابَ رحَماتِ اللهِ لا تُغلَقُ بعدَ رمضانَ، فإنْ فاتكَ رمضانُ وانتهىٰ، فإنَّ اللهَ باقٍ لا يَفنىٰ، أخبرَنا نبيُّنا ﷺ أنَّهُ سبحانهُ يُنادي كلَّ ليلةٍ علىٰ خلقِهِ: «أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ». صحيح مسلم (٧٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٧)
وأخيرًا، يا عبادَ اللهِ: لا تنسَوا صدقةَ الفطرِ، فإنَّ اللهَ جعلَها طُهرةً للصائمِ وطُعمةً للمساكينِ، فضلًا منَ الرحمنِ الرحيمِ.
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ». سنن أبي داود (١٦١١)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٨٤٣). (١٨)
وهيَ واجبةٌ علىٰ كلِّ مسلمٍ، الرَّضيعِ والكبيرِ، الذَّكَرِ والأنثىٰ، صاعًا منْ طعامٍ، يُعطىٰ للفقيرِ أو المسكينِ.
يقولُ عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ». صحيح البخاري (١٥٠٣)، وصحيح مسلم (٩٨٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١٩)
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.
اللّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.